جدتي 2

أنا مشيت من الشقة دي وأنا ماسكة في يد بابا، مش قادرة أبص ورأيا. العتبة اللي تيته رفضت تخطيها كانت لسه بقع الدم ناشفة تحتها، والبيت اللي دخلته وأنا عروسة بأمل وبكرة، خرجت منه وأنا حاسة إن روح تيته غالية كانت أخر حبل نجاة ربنا بعتهولي عشان ما أندفنش حية تحت السيراميك.

نزلنا للشارع، والناس كلها كانت بتبصلي بأسى ورحمة. أخدوني على بيت أهلي.. البيت اللي كان فيه جسم تيته غالية ملفوف بالملاية البيضاء في أوضتها، مستنية الغُسل والصلاة.

دخلت أوضتها، وقعدت على ركبتي جنب سريرها. مسكت إيدها الباردة النحيفة، نفس الإيد اللي شدّتني بقوة مش طبيعية قبل ما تمشي، وبستها وأنا ببكي بدموع حارقة: “سامحيني يا تيته.. سامحيني إننا افتكرناكي كبرتي وخرفتي.. إنتِ أنقذتيني يا بركة العيلة.. إنتِ شفتي اللي كلنا كنا عمي عنه.”

ورغم إن الجريمة أتكشفت، والقاتل بقى في إيد العدالة.. إلا إن القصة مكانتش لسه انتهت.. لأن المحققين لما فتشوا المذكرات الخاصة بـ معتز في خزنته السرية اللي لقوها ورا الدولاب.. اكتشفوا حاجة عن الشقة وعن تيته غالية هتقلپ كل الموازين!

انقضت أيام الجنازة ثقيلة زي الكابوس. بيت أهلي كان مليان بالناس اللي جايين يعزوا في تيته غالية، بس نظراتهم لي كانت مختلفة.. نظرات مزيج من الشفقة والذهول، كأنهم بيبصوا لناجية خرجت من القبر في آخر لحظة.

كنت قاعدة في أوضتي القديمة، سارحة في السقف، ومش قادرة أستوعب إن الأسبوع اللي فات ده كان حياتي الحقيقية. تليفون بابا رن، وكان المتحدث هو وكيل النيابة المباشر للقضية. طلب حضورنا فوراً لمقر النيابة لسماع أقوال جديدة وتفريغ أدلة تم العثور عليها في الشقة بعد ما خضعت للتفتيش الدقيق من قبل فريق الأدلة الجنائية.

رحت أنا وبابا، وكانت المكاتب هناك خلية نحل. وكيل النيابة استقبلنا بوجه جاد جداً، وقبل ما يسألني أي سؤال، حط قدامنا على المكتب كراسة قديمة بغلاف جلد أسود، حوافها متهالكة ومكتوب عليها بخط إيد متوتر ومضطرب.

قال وكيل النيابة وهو بيبصلنا بتركيز: “احنا فتشنا الشقة بالكامل بعد ما نقلنا الجثتين للطب الشرعي. ورا الدولاب الكبير في أوضة النوم، لقينا تجويف سري في الحيطة، جوا صندوق حديد مقفول.. لقينا الكراسة دي. دي مذكرات معتز الشخصية، كاتب فيها كل خطوة عملها من أربع سنين لحد النهاردة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *