جدتي 2
وأثناء ما كنت بتكلم، خرج طبيب شرعي من الأوضة وهو لابس الجوانتي الأبيض المليان تراب وجص، وماسك في إيده كيس بلاستيك شفاف. جوا الكيس، كان فيه بقايا القماش المتعفن بتاع هدوم رانيا، ومحفظة صغيرة جلد أسود.
فتح الطبيب المحفظة قدام النيابة، وطلع منها بطاقة رقم قومي.. البطاقة كانت لـ “رانيا أحمد عبد اللطيف”، البنت اللي اختفت من سنتين وأهلها عملوا عنها بلاغات في كل حتة وما حدش وصل لها أثر، والنيابة وقتها حفظت القضية ضد مجهول!
الضابط قرب من معتز اللي كان متكتف على الكرسي وعينيه بتبص في الأرض بذهول، ورزعه بالبطاقة في وشه وقال له: “رانيا اختفت من سنتين يا معتز، وأنت سكنت الشقة دي من سنتين ونصف! كنت فاكر إن الإسمنت والسيراميك هيغطوا للأبد؟”
معتز ما ردش.. فضلت عينه مثبتة على الأرض، وشفايفه بتمتم بكلام مش مفهوم، كأنه غرق في جنونه الخاص.
بس المفاجأة المرعبة اللي جمدت الدم في عروقنا كلنا مكانتش الجثة.. المفاجأة كانت لما النيابة أمرت بتكسير باقي السيراميك بتاع الأوضة عشان يستخرجوا الجثة بالكامل للتشريح.
صوت الحفر والشاكوش كان بيرن في البيت كله. وفجأة، الحفار وقف، وصوت العمال سكت تماماً!
خرج خبير الأدلة الجنائية ووشه شاحب بشكل مرعب، وقرب من وكيل النيابة وهمس له بكلام.. وكيل النيابة بص لـ معتز بذهول ورعب، وبعدين بص لبابا وليا وقال بصوت متقطع:
“يا جماعة.. الحفر تحت السيراميك كشف عن حاجة ثانية.. فيه بقايا خرسانة قديمة أعمق من جثة رانيا.. وتحتيها.. جثة ثانية مدفونة من أكتر من أربع سنين!”
أنا صرخت وغطيت وشي بإيدي، وبابا قام وقف وهو مش مصدق اللي بيسمعه. الشقة دي ما كانتش مجرد مسرح لجريمة واحدة.. الشقة دي كانت مقبرة جماعية لضحايا معتز!
معتز رفع رأسه فجأة، وضحك ضحكة هستيرية عالية جمدت شعر رأس كل اللي في الأوضة، وقال بنبرة جنونية: “سعاد.. سعاد كانت الأولانية! كانت فاكرة إنها تقدر تسيبني وتتجوز غيري.. دفنتها تحت السيراميك، ورانيا جت بعدها وسكنت على قبرها من غير ما تعرف.. وأنتِ يا هدى.. أنتِ كنتِ هتبقي التالتة! السيراميك كان هيكفينا كلنا!”
في اللحظة دي، الضباط هجموا عليه وغموا بؤه وكسروا رأسه للأرض وأخدوه وسحبوه بره الشقة وسط صراخ البواب والناس في الشارع اللي اتجمعوا بأعداد مهولة بعد ما الخبر انتشر زي النار في الهشيم.