روحت انبرع بكليتي 1
الدموع ما نزلتش، كانت المحروقية في صدري أكبر من أي دموع. طلعت الموبايل وإيدي بتخبط في الشاشة، صوّرت العمارة من بره، واليافطة اللي متعلقة جنب الباب، وصوّرت جرس الشقة اللي مكتوب عليه بخط يده: “سيد عبد الرحمن”. كان كاتبه بنفس الخط اللي بيسجل بيه مصاريف عربية الدليفري.وقفت وصحيت من صدمتي على صوت عقل بيقولي: “الدموع مش هتجيب حق شهد، الدموع هتضيع الكلية وتضيع حياتك”. مسحت وشي بأطراف طرحتي، ومشيت بعيد عن العمارة بخطوات قتيلة، وركبت الميكروباص راجعة عزبة النخل. طول الطريق والميكروباص بيتزق في الزحمة، كنت بفتكر كل كلمة قالتهالي الحاجة زكية، كل تريقة، كل مرة كانت تقولي فيها “ابني سيد يستاهل سيدات المجتمع، مش بياعة طعمية”، وكنت بفتكر إصرارها إن الدوسيه الأصفر يفضل مستخبي.
وصلت البيت قبل ما سيد يرجع. دخلت أوضة شهد، لقيتها نايمة وغرقانة في النوم، وحاطة إيدها تحت خدها. قعدت جنبها ومسدت على شعرها، وحلفت في سري إني مش هسمح لأي حد ياخد حقي ولا حق البنت دي. طلعت أجندة قديمة كنت بشيل فيها فواتير الزيت والصويا وورق عربية الطعمية، وفتحت الموازنة الجديدة.. موازنة الانتقام.بعد ساعة، سمعت صوت المفاتيح في الباب. سيد دخل، كان شكله مجهد بس في عينيه لمعة غريبة، لمعة واحد بيخطط لحاجة كبيرة. دخل المطبخ ورما نفسه على الكرسي وقال بصوت تمثيل متقن: * “تعبان يا مريم.. المستشفى والتحاليل جابوا أجلي، والدكتور بيقول لو ما زرعناش الكلية الأسبوع الجاي، الوضع هيساء أوي.
“طلعت من المطبخ وبصيت في عينيه بثبات ما عرفتوش في نفسي قبل كده، وقلتله: * “سلامتك يا سيد.. الف سلامة عليك. كل حاجة مترتبة ومتقفلة، والدكاترة مطمنين.”قرب مني ومسك إيدي، الإيد اللي كان بيرميها ويقول ريحتها زيت وقلي، وقال بنبرة حنينة زيادة عن اللزوم: * “إنتي الأصيلة يا مريم.. العيلة دي كلها كوم وإنتي كوم، أنا مش عارف من غيرك كنت هعمل إيه.
“سحبت إيدي ببطء وكأني بعدل الطرحة، وقلتله: * “ربنا يقدم اللي فيه الخير.. أنا رايحة أنام عشان ورانا مشوار مبكر للمستشفى بكره.”في الليلة دي ما غمضليش جفن. قعدت ألمح الرسايل القديمة والتسجيلات. أفتكرت لما كان بيرجع ورائحة البرفيوم الحريمي طالعة منه، ولما كانت الحاجة زكية بتقول “الراجل بيزهق”. الرسامة الكبيرة كانت مكتملة، بس الناقص كان تفاصيل اللعبة الكبيرة اللي يلعبوها عليا.