المؤتمر 3
جاسر وقع على ركبه على السجادة الفاخرة تحت جزم ندى وعاصم، وبدأ يصرخ وينتحب بصوت زي الكلاب الجريحة:
“ندى! ارحميني يا ندى! أنا اتخدعت! هما اللي استغلوني! أنا بحبك يا ندى! والله العظيم لسه بحبك وما حبستش غيرك! سيبيني وأنا هكون خدام تحت رجليكي أنتِ وعاصم بيه!”
عاصم مسك يد ندى وسحبها لورا خطوة، وبص لجاسر المرمي تحت رجليهم وقال بصرامة:
“الرحمة بتبقى للبشر يا جاسر.. مش للخونة والكلاب.”
سحب الضباط جاسر وهو بيصرخ ويبكي ويزحف على الأرض يحاول يلمس جزمة ندى، والصوت كان بيردد في الممر كله وهو بيتسحب للأسفل.
قفل عاصم باب المكتب، ولف لندى اللي كانت واقفة ومبتسمة وهي شايفة النهاية المحتومة للراجل اللي دمر حياتها في يوم من الأيام.
قرب عاصم منها، ومسك أيديها الاتنين وقال بنبرة مليانة حب وفخر:
“المرادي خلاص يا ندى.. جاسر والتكتل كله وقعوا في الفخ، والقضية دي ماليهاش خروج ولا كفالة للأبد. حان الوقت إننا نقفل الصفحة دي ونطير.”
ندى هزت رأسها بابتسامة صافية ودمعة فرح متلألئة في عينيها:
“يلا يا عاصم.. طيارتنا مستنية.”
سادت حالة من الذهول والهدوء الداكن في أروقة مبنى النيابة العامة، بعدما أُغلقت أبواب تحقيقات أمن الدولة العليا على القضية الشائكة التي أطاحت بـ “تكتل كبار رجال الأعمال المنافسين” وجرف في طريقها جاسر الألفي إلى مصير لم يكن يتخيله في أعتى كوابيسه.
في زنزانة انفرادية شديدة الحراسة، كان جاسر يجلس على الأرضية الباردة، وبدلته التي طالما تفاخر بها تحولت إلى سماليل ممزقة. لم يعد يملك شيئاً؛ لا مال، ولا شركة، ولا حتى اسماً يحترمه أحد. عيناه الغائرتان كانت تثبتان على الفراغ وهو يسمع صوت حراس السجن يتهامسون عن “الصفقة الكبرى” التي تمت بين الدولة ومجموعة “عاصم الشريف وندى الشهابي”، وكيف أصبحت ندى تُلقب في السوق بـ “المرأة الحديدية” التي تسلمت إدارة كافة المشاريع واستعادت كل مليح سُرق منها بالمليم والقرش.
في تلك الأثناء، وعلى بعد كيلومترات، في القاعة الملكية الكبرى لأحد أفخم فنادق القاهرة، كان المشهد كأنه لوحة أسطورية تفيض بالفخامة والجمال.
المكان مغطى بالورود البيضاء والأنوار الدافئة، وأشهر الموسيقيين يعزفون مقاطع كلاسيكية ساحرة. جميع رجال الأعمال، الوزراء، والدبلوماسيين كانوا حاضرين، ليس فقط لحضور الحفل التأكيدي لشراكة المليارات بين “الشهابي والشريف”، بل لحضور حفل الزفاف الأسطوري الذي أعلنه عاصم الشريف لـ “ندى”.