جدتي 3
الباب بتاع الشقة كان متخلع كلياً من مكانه، والنور الأبيض العالي بتاع كشافات الأدلة الجنائية كان طالع من الممر الداخلي. دخلنا الشقة، وكان البيت متقلب رأس على عقب؛ السيراميك مرفوع، والحيطان مكسورة، وريحة التراب والجص والرطوبة العتيقة طالعة من الأوضة المقفولة كأنها ريحة مقبرة اتفتحت بعد قرون.
وكيل النيابة مشي قدامنا ودخل الأوضة الصغيره، وتبعتُه أنا وبابا وأنا بحاول أتحكم في رعشة رجلي. الأوضة مكانتش أrenة أصلية؛ الحيطة القبلية كانت مهدومة بالكامل، وظاهر وراها فتحة سرداب سحري ومظلم نازل بميل لأسفل أرض العمارة. وعالتراب اللي على جنب، كان محطوط الصندوق الحديدي الضخم اللي طلّعوه العمال.
الصندوق كان مصدي، وسلاسله الثقيلة مقطوعة. وجنبه كانت محطوطة الوثائق والصورة القديمة.. صورة تيته غالية وهي شباب، ملونة بالألوان القديمة الباهتة، وعلى ظهرها مكتوب بخط يد أنيق وواضح: “حق غالية لا يموت.. والأرض بترد لأهلها ولو بعد حين.”
قرب خبير الآثار والخطوط من وكيل النيابة وحط قدامه ملف أوراق صفراء جداً أُخرجت من قاع الصندوق، وقال بصوت حاسم: “يا فندم.. الأوراق دي هي العقود الأصلية لأرض العمارة والمنازل المجاورة. الأوراق بتثبت إن جّد معتز استولى على المكان بالتزوير بعد ما غدر بوالد الجدة غالية سنة 1976 ودفنه في نفس السرداب ده! الصندوق ده كان مخصص لحفظ أسرار العيلة القاتلة، وكل جيل كان بيضيف فيه حراسة المكان.. بالحرام والدم!”
بابا انهار وقعد على ركبتيه قدام الصندوق وهو بيبكي بصوت يقطع القلب: “يعني جدي أنا انقتل هنا؟ وأمي غالية عاشت طول عمرها حاسة إن فيه سر مدفون تحت الأرض دي؟”
في اللحظة دي، قرب ضابط الأدلة الجنائية ومسك ورقة مطوية بخيط أسود كانت مستخبية في جيب سري جوا غطاء الصندوق الحديدي. فتح الورقة بحرص وقرأ العنوان المكتوب عليها بالبونط العريض: “وصية وإقرار”.
بصلي وكيل النيابة وقال: “الورقة دي كتبها جّد معتز قبل ما يموت بساعات.. واسمعي كاتب إيه يا هند:”
بدأ وكيل النيابة يقرأ بصوت جهوري هز الأوضة المظلمة:
“أنا يعقوب، أقر وأعترف وأنا على فراش .. إن الدم اللي سقينا بيه عتبة الأرض دي مش هيسكت. حيدر والد غالية دفنته بإيدي تحت الممر، ووصيت ولادي وأحفادي إن المكان ده ما يخرجش بره العيلة، وإن أي حد من دم غالية يقرب من العتبة دي، المكان هيصرخ ويفضح المستخبى. لو طفلة أو صبية من نسل غالية دخلت البيت ده كعروسة، السرداب هينادي على دمها ويبقى موتها هو الثمن الأخير لتثبيت السحر والسر.. يا معتز يا بني، لو دخلت هند بنتها دي، لازم الدم يكتمل أو السر ينتهي للأبد.”
