جدتي 3

شهقت بصوت هز جدران المكتب، وبابا وقف على رجليه وهو بيبص للتليفون بذهول وعينيه مليانة دموع وصدمة: “صورة أمي؟! أمي أنا؟! إيه اللي جاب صورة غالية تحت الأرض في الشقة دي من خمسين سنة؟!”

مفتش المباحث كمل كلامه من التليفون: “مش بس الصورة يا فندم.. الوثائق اللي جوة الصندوق بتثبت إن ملكية الأرض والعمارة دي بالكامل كانت أصلها ورث شرعي يخص الجدة غالية من زمان، وإن جد معتز استولى على الأرض بعقود مزورة بعد ما اختفى الشريك الأصلي للمكان في ظروف غامضة سنة 1976!”

كل حاجة في دماغي اتلخبطت وتجمعت في ثانية واحدة! الصورة وضحت بشكل مرعب ومخيف..

تيته غالية ما كانش عندها مجرد “بصيرة” أو فراسة تقرأ بيها الوجوه بس.. تيته كانت عارفة المكان! تيته كانت حاسة بالطاقة الشريرة اللي اتبنت على حقها ومقبرة أسرتها القديمة! يوم ما جأت تزورني ووقفت على العتبة، روحها والدم اللي بيجري في عروقها تعرف على الأرض اللي اتسرقت منها والدم اللي اندفن تحتها!

زادت دقات قلبي وأنا بفتكر نبرة صوتها لما شدّتني وهمست لي: “الشقة دي مش بيت.. الشقة دي مقبرة مدموسة!”

تيته ما كانتش بتحذرني من معتز بس.. تيته كانت بتفك سحر وسر مظلم ممدود من خمسين سنة، سر كان معتز وأبوه وجده بيحرسوه بالدم والتضحية ببنات ملهمش ذنب عشان الممر يفضل مقفول والسر ما ينكشفش!

وكيل النيابة بصلي وبص لبابا وقال بنبرة قاطعة: “احنا لازم نتحرك فوراً لموقع الشقة. النيابة لازم تعاين الصندوق والمستندات دي بنفسها، وأنتِ يا هند لازم تيجي معانا.. لأن المستندات دي فيها وصية موجهة باسمك أنتِ بالذات، اتكتبت وتدفنت تحت الأرض قبل ما تتولدي بـ عشرين سنة!”

ركبنا عربية النيابة وأنا حاسة إن الطريق للشقة كان عبارة عن ممر طويل بين الحياة والموت. الشارع اللي فيه العمارة كان مقفول بالكامل بكردون أمني أسود، ومئات من أهل المنطقة واقفين متجمعين تحت، وشوشهم مليانة ذهول ورعب وهم بيتابعوا رجال الأدلة الجنائية والطب الشرعي وهم طالعين ونازلين بالمعدات.

أول ما رجلي لمست مدخل العمارة، جسمي اتنفض. نفس البرودة اللي حسيت بيها أول يوم جيت فيه مع تيته غالية كانت لسه مالية المكان، بس المرة دي كانت أشد وأقسى. طلعنا الأسانسير، وبابا كان ماسك إيدي بكل قوته، عروقه بارزة وأنفاسه متقطعة من الصدمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *