جدتي 3
قبل ما يوصل لي بـ خطوة واحدة، وصوت إطلاق النار يرن في الأوضة، معتز تعثر في السلسلة الحديدية المكسورة اللي كانت طالعة من صندوق الجد يعقوب. اختل توازنه بشكل غريب، وكأن إيد خفية سحبته من رجله لورا! سقط بكل قوته على حرف الجدار القبلي المهدوم، والسيخ الحديدي اللي كان ماسكه انقلب وانغرس في صدره!
وقع معتز على الأرضية المكسورة، بقعة الدم بدأت تنتشر بسرعة وتتغرق نفس الإسمنت والسيراميك اللي دفن تحته ضحاياه. بصلي بعيون بتنطفي، وشفايفه بتمتم بأخر أنفاسه: “غالية.. غالية كانت واقفة بره..” ومات في نفس المكان اللي ظلم فيه أرواح بريئة لسنوات.
انتهى الكابوس. اتفضت المحاضر، واسترجعت عيلتنا حقها التاريخي والأرض اللي اتسرقت بالدم والغدر من خمسين سنة. تم استخراج رفات الضحايا ورُفات جدي حيدر، واندفنوا جميعاً في جنازة مهيبة أقيمت لهم تكريماً لأرواحهم الصافية. أما الشقة والعمارة، فتم هدم الجزء الملوث منها وردم السرداب المظلم للابد بالإسمنت والخرسانة المسلحة، عشان ما يفضلش منه غير ذكرى الحقيقة التي أبت أن تُدفن.
الحكمة:
إن الحق قد ينام، لكنه لا يموت.. والظلم مهما أُحكمت جدرانه ورُدمت فوقه طبقات الإسمنت، سيبقى له صوت يصرخ من تحت الأرض حتى يجد طريقه للنور.
تعلمتُ أن البركة والبصيرة التي يمنحها الله لأصحاب القلوب الطاهرة والنفوس الصافية ليست خرفاً ولا أوهاماً، بل هي نور يضيء في أشد اللحظات ظلاماً ليحمي الأبرياء ويكشف زيف الخداع. “تيته غالية” لم تكن مجرد ست كبيرة طاعنة في السن، بل كانت الدرع الروحي والحارس الأخير الذي أرسله القدر ليفك سحر الباطل، ويُثبت لنا أن نقاء الروح يرى ما تعمى عنه الأبصار، وأن العدالة الإلهية قد تتأخر، لكنها تأتي دائماً في الوقت المناسب تماماً.
