جدتي 3
اتسعت عين وكيل النيابة وهو بيقرأ سطور التقرير المبدئي، والصمت اللي خيم على المكتب كان أثقل من الجبال. بابا مسك في إيد الكرسي بكل قوته، وعينيه كانت متثبتة على التقرير الأحمر كأنه بيحاول يقرأ اللي فيه من بعيد.
كمل وكيل النيابة كلامه بصوت خافض ومليان بالذهول: “خبراء الأدلة ومعاينة الموقع نزلوا النفق باستخدام أحبال وكشافات ضخمة. السرداب اللي تحت الأوضة الصغيرة ممر مكسو بالحجر القديم، بيوصل لمتاهة تحت المنطقة كلها.. وجوا السرداب ده لقوا متعلقات شخصية؛ شنط حريمي، مفاتيح، وسلاسل أطفال وكبار.. متعلقات تخص أكتر من أربع بنات تانيين غير سعاد ورانيا!”
الكلمة نزلj على ودني زي الصاعقة. صرخت وأنا بحط إيدي على رأسي: “يعني إيه؟ يعني الشقة دي كانت مصيدة للمنطقة كلها؟”
رد الضابط اللي جاب الملف وهو بيمسح العرق من جبهته: “يا فندم، التخمين المبدئي للطب الشرعي إن الجاني كان بيستغل الممر السري ده من سنين. الممر ده أصله سرداب أثري قديم بيمتد من تحت عمارات الشارع لحد المقابر القديمة اللي ورا المنطقة. معتز ما كانش بس بيلف حولين الضحايا اللي بيتجوزهم أو يخطبهم.. الشقة دي كانت نقطة التحكم والستر لكل جريمة بيعملها في الخفاء من غير ما حد يحس بوجود أي حركة غريبة في العمارة!”
في اللحظة دي، تليفون وكيل النيابة الأرضي رن برنة حادة قطعت الكلام. فتح الخط وحطه على السبيكر، وجاء صوت مفتش المباحث من موقع الشقة، والصوت كان متداخل مع أصوات أجهزة حفر وهدير معدات ثقيلة:
“يا فندم.. احنا بنوسع الفتحة اللي ورا الجدار القبلي للأوضة بمرخص النيابة، بس فيه حاجة غريبة جداً حصلت دلوقتي! الحفارين وهما بيكسروا الجزء السفلي من السرداب، لقوا صندوق حديد ضخم مقفول بسلاسل ومصدي، ومكتوب عليه بالبارز أرقام وتواريخ ترجع لـ خمسين سنة فاتوا!”
وكيل النيابة وقف من على الكرسي وقال بسرعة: “صندوق إيه؟ أوعوا تفتحوه من غير فريق الحماية والأدلة الجنائية!”
رد المفتش بنبرة متوترة: “يا فندم الصندوق مش محتاج يتفتح.. السلاسل بتاعته مكسورة من جنب واحد، وجواه أوراق ومستندات وصور قديمة جداً.. وعلى وش الصندوق من فوق لقين صورة لست كبيرة في السن، مكتوب على ظهرها بخط اليد: ‘غالية عبد الرحمن’.. صورة جدة المدام يا فندم!”