جدتي 1
الأوضة كانت خنقة، ريحتها مش مجرد تراب.. كانت ريحة مكتومة زي ريحة بيوت الجص القديمة، أو ريحة رطوبة مقبرة!
فتحت كشاف الموبايل ووجهت النور لجوه. الأوضة مكانتش مليانة كراتين زي ما قال، كانت شبه فاضية! بس في نص الأوضة، كان فيه سجادة شعر قديمة ومفروشة بغير انتظام.
قربت بخطوات خايفة، ووجهت نور الكشاف على الأرضية.. وهنا الصدمة شلت حركتي!
السيراميك اللي تحت السجادة مكانش شبه باقي السيراميك اللي في الشقة! كان متكسر ومتشال ومحطوط بداله جص وإسمنت أبيض معمول بعشوائية، وكأن حد حفر الأرضية وردمها تاني بسرعة ومحترفش يقفلها صح. وعلى طرف الجص الأبيض ده، كان فيه بقعة غمقة مائلة للسواد.. بقعة ناشفة أثر لدم قديم تشربت بيه الحيطة والسيراميك!
جسمي اتجمد، والموبايل كان هيقع من إيدي. في اللحظة دي، افتكرت كلام تيته بالنص: “تحت السيراميك اللي بيلمع ده فيه حاجة مدفونة تخص واحدة كانت مكانك!”
عيني وِجعتني من التركيز، ولقيت في زاوية الحفرة الإسمنتية دي حاجة بتلمع تحت كشاف الموبايل. جثيت على ركبي، وبأظافري بدأت أحفر في حافة الإسمنت الهش.. وبدأت أطلع قطعة معدنية صغيرة.. كانت سلسلة ذهب مقطوعة، فيها دلاية على شكل قلب، ولما قلبت الدلاية لقيت محفور عليها من الضهر اسم: “رانيا”.
اسم رانيا نزل عليا زي التلج.. مين رانيا؟ معتز لما جيه يخطبني قال إنه عمره ما ارتبط ولا اتجوز قبلي!
وفجأة.. وقبل ما ألحق ألم نفسي أو أقوم، سمعت صوت حركة ورايا.. ريحة العطر بتاعه ملأت المكان، وصوت باب الأوضة وهو بيتفرد بالراحة وبيترد ورايا..
لفيت برأسي وأنا مرعوبة، ولقيت معتز واقف عند العتبة، ضارب فيه نور الممر من وراه فكان خياله مغطي الأوضة كلها، ووشه في الضلمة مش باين منه غير عينيه اللي بتلمع.
بص للسلسلة اللي في إيدي، وبعدين بصلي، وقال بنبرة هادية جداً، أهدى من المعتاد بكثير، نبرة خالية تماماً من أي رحمة:
“كنت عارف إنك مش هتسمعي الكلام يا هدى.. ورانيا برضه زمان، مكانتش بتسمع الكلام.”