جدتي 1

​القعدة جوه كانت تقيلة ومخنوقة. بابا وماما مقعدوش كتير، الموقف كان مالي الجو توتر، وبعد أقل من نص ساعة استأذنوا عشان يروحوا. خرجوا بره الشقه عشان يأخدوا تيته من على الكرسي ويمشوا. وقفت جنبها وأنا حزينة وعيني مليانة دموع، وبمد إيدي أساعدها تقوم.

​في اللحظة دي، مسكت في إيدي.. مسكة قوية أوي! قوة مش بتاعة ست عندها تسعين سنة أبداً، كأنها بتستغيث أو بتحذرني شدّتني ليها وأنا تلقائياً وطيت بدماغي عشان أسمعها، وحطت بؤها قريّب جداً من ودني وهمست لي بنبرة هادية بس مرعبة، نبرة خالية تماماً من أي خرف أو قلة عقل، وقالت لي كلام طيّر عقلي من مكانه، كلام مش قادر استوعبه او استوعب إزاي هي عرفت حاجة زي دي!!!!!

مسكت تيته إيدي بقوة غريبة، وشدتني ليها لحد ما ودني بقت قصاد شفايفها بالظبط. نبرة صوتها اتغيرت تماماً، راحت منها بحة السن ورعشة الخرف، وتكلمت بصوت حاد وواضح زي السيف وقالتلي:

“الشقة دي مش بيت يا عروسة.. الشقة دي مقبرة مدموسة! العتبة دي مقفولة بدم، وتحت السيراميك اللي بيلمع ده فيه حاجة مدفونة تخص واحدة كانت مكانك وقبل ما تمشي سابت حسرتها في الأركان. الراجل اللي جوه ده مش مخبي في قلبه كتير وبس.. ده عايش مع روح غيرك، والحيطان دي بتصرخ من غير صوت. لو دخلت كملت ليلتك جوه، مش هتطلعي منها على رجليكي!”

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. ثلج مشي في عروقي، وعيني وسعت وأنا بصالها ومش قادرة أتنفس. قبل ما ألحق أستوعب أو أسألها حرف واحد، سابت إيدي فجأة، ورجعت بظهرها على الكرسي وعينيها أطفت، ورجعت تاني نبرتها الضعيفة المكسورة وهي بتقول لبابا: “يلا يا بني روحني.. حيلتي اتهد.”

بابا وماما أخدوها ونزلوا في الأسانسير. وقفت في الطابق لوحدي قدام الباب المفتوح، الهواء كان بارد جداً على غير العادة. الشقة من جوه كانت منورة، والريحة الحلوة اللي كنت رشّاها ملية المكان، بس فجأة بقيت شايفاه مكان مرعب والغرفة اللي جوه بقت شبه الكهف.

دخلت الشقة بخطوات تقيلة، ورجلي بتترعش وهي بتعدي نفس العتبة اللي تيته رفضت تخطيها. معتز كان قاعد في الصالة، ماسك تلفونه ووشه مشدود وغضبان. أول ما شافني دخلت وقف وقال بنبرة مليانة غيظ:

“إيه الجنان ده يا هدى؟ هي جدتك جاية تتمنظر علينا ولا جاية قدام أهلي؟ يعني إيه تحلف متخشوش وتعد على الكرسي بره كأننا جربانين؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *