جدتي 1

حاولت أجمع ثباتي وأرد بنبرة طبيعية، بس صوتي خرج مهزوز: “ولا حاجة يا معتز.. كنت رايحة المطبخ وجيت من الممر ده بالغط. هي.. هي الأوضة دي ملهاش مفتاح هنا؟ كنت عاوزة أحط فيها الشنطة الفاضية بتاعتي بدل ما هي زحمة الأوضة جوه.”

قرب مني بخطوات بطيئة، منتظمة، وكل خطوة منه كانت كأنها دقات جرس إنذار في دماغي. وقف قصادي بالظبط، وبص للباب المقفول وبعدين بصلي وقفل الفاصل بيننا، وقال بصوت واطي جداً ومخيف: “الأوضة دي مفتوحة بس في الوقت المناسب.. والكركبة اللي جوه مش عايز حد يقلب فيها يا هدى. ياريت متقربيش من الممر ده تاني، ماشي؟”

هزيت راسي بسرعة بـ “ماشي”، واستأذنت وهربت على المطبخ وأنا قلبي بيدق في زوري. عملت نفسي بشرب مية، وأنا حاسة إن الأوكسجين قل في الشقة كلها. كلام تيته كان بيتردد في ودني كأنه صدى صوت في بئر مهجور: “تحت السيراميك اللي بيلمع ده فيه حاجة مدفونة.. العتبة دي مقفولة بدم!”

مرت ساعات الليل ثقيلة زي الجبل. معتز دخل نام من غير ما يتكلم كلمة زيادة، وتظاهر بالنوم، بس أنا كنت عارفة إنه صاحي.. كنت سامعة أنفاسه المنتظمة بزيادة، كأنه بيتصنع الهدوء. فضلت صاحية، قعدة على حرف السرير، كل صوت في الشقة كان بيخليني أترعب؛ صرير خشب الأثاث، صوت التكييف، وحتى صوت الريح بره.

ساعة الفجر، لما تأكدت إن معتز غرق في النوم وبدأ يشخر خفيف، تسحبت من تحت الغطا بالراحة. حافية القدمين عشان ما أعملش أي صوت. الممر كان ضلمة كحل، بس النور الدافي بتاع الشارع كان داخل من شباك الصالة ومبين الخيالات.

مشيت باتجاه الأوضة المغلقة، بس المرة دي كان هدفي مش الباب.. كان هدفي مكتب معتز الصغير اللي في الصالة، اللي بيسيب فيه مفاتيحه ومحفظته. بدأت أدور في الدرج الأولاني بصوابع بتترعش.. مافيش. الدرج التاني.. أوراق وفواتير. في أخر الدرج التاني، ايدي خبطت في علبة قطيفة صغيرة، فتحتها لقيت فيها ميدالية نحاس قديمة فيها مفتاح شكلة غريب، مفتاح طويل وله سنون متنية، نفس شكل خرم باب الأوضة المقفولة!

أخدت المفتاح وأنا حابسة أنفاسي. مشيت بخطوات شبحية للممر. حطيت المفتاح في الخرم، والباب أطلع صوت “تك” واطي جداً وسط ضلمة الليل. أيدي اتعاصت تراب أول ما مسكت الأكرة ولفيتها، وزقيت الباب بالراحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *