كنت راجعة البيت 2
معتز كان بيسمع وكأن الكلمات بتخترق كل جدار بناه حولين نفسه من سنين. مسح على وشه بإيديه بنفاذ صبر ووجع حقيقي:
– يعني مفيش أي أمل؟ كل اللي بيننا انتهى قبل ما يبدأ؟
– اللي بيننا من البداية كان وهم في دماغك يا ابن عمي.. أنت كنت شايفني حمل وتقيل، وأنا دلوقتي طايرة في سما جديدة مش محتاجة فيها إذن من حد عشان أثبت وجودي.
سيبته واقف في البلكونة، الشاي برد، والليل زاد ظلامه، وخرجت للصالة. لقيت مرات عمي “سعاد” قاعدة بتصلي. أول ما خلصت وسلمت، قعدت جنبها على سجادة الصلاة، وحطيت رأسي على رجلها زي زمان.
– بابا سعاد.. أنا جالي القبول النهائي للسفر لألمانيا الشهر الجاي.
مرات عمي ايدها وقفت على شعري، شهقت شهقة خفيفة، بس سرعان ما حطت إيدها التانية على كتفي ودموعها نزلت، بس كانت دموع فخر مش حزن:
– قلبي حاسس يا بنتي.. من يوم ما دخلتي الشقة دي وعينك فيها بريق مش شبه انكسار حد. ربنا يوفقك يا فرح، أنتِ رفعتي رأسي ورأس أخويا الله يرحمه.. بس يا ترى معتز عارف؟
– عارف يا بابا سعاد.. وعارف كمان إن كل شيء قسمة ونشيب، وأن مكان فرح الحقيقي مش في بيته، ولا تحت رحمة نظرة استعلاء من حد.
في اللحظة دي، خرج معتز من البلكونة.. كان شكله طالع من معركة خسارة فيها كل أسلحته. بص لأمه، وبصلي وأنا قاعدة على سجادة الصلاة متمسكة بكرامتي وقراري. كان بيحاول يستوعب إن البنت اللي كان رافضها وبيهرب منها، بقت هي الحاجة الوحيدة اللي بيتمنى رضاها ومسافة سنتين وجبال من الكبرياء بقت بتفصل بينه وبينها.
قرب من أمه، وقعد على ركبه قدامها، وقال بصوت مخنوق وواطي:
– أنا ضيعت كل حاجة يا أمي.. ضيعت الجوهر عشان كنت مدور على القشور.
سعاد بصت له بنظرة فيها ألم الأم، لكنها هزت رأسها وقالت له بثبات:
– الدرس كان قاسي يا معتز.. بس أنت اللي اخترت تدخله بنفسك. وفرح مش بنت يترمي لها طوق نجاة، فرح هي النجاة نفسها.. وأنت خسرتها بجهلك اللي كنت بتتهمها بيه.
الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن عد تنازلي.. ترتيب شنط، تجهيز أوراق السفر، ومعتز يتحول لشبح في البيت، يراقب كل تحركاتي بقلب مكسور ونظرة ندم ما فارقتش عينيه ليلة واحدة، وهو شايف البنت “اللي جاية من ورا الجاموسة” بتحزم أمتعتها عشان تطير لأوروبا، وسايبة وراها درس عمره ما هينساه.
