كنت راجعة البيت 2

جاء يوم السفر.

الشمس كانت لسه بتشرق على شوارع القاهرة، والدنيا ساكتة وهادية، بس جوه الشقة كان في حركة دافية ومشاعر متلخبطة. الشنط الكبيرة كانت ملفوفة ومحطوطة عند باب الشقة، وفي إيدي الشنطة الصغيرة اللي فيها أوراقي وتذاكر الطيران لبرلين.

مرات عمي “سعاد” كانت واقفة مسكة كوباية مية وبتقرأ عليها آيات الحفظ والبركة، ودموعها نازلة على خدها بصدق. ضمتني لقوة، كأنها بتودّع حتة من روحها، مسحت على رأسي وقالت بصوت مجروح بس مليان فخر:

– ربنا يسعدك يا فرح، ويفتح لك الأبواب المقفولة، ويرجعك لينا بالسلامة وأنتِ جابرة خاطرك ومحققة كل اللي بتحلمي بيه.. أنتِ بنتي اللي ما ولدتهاش يا فرح، وعمري ما هنسى إنك ملَيتي البيت ده نور وكرامة.

بست إيدها ورأسها، ودموعي نزلت بوفاء لست طيبة احتوتني في أصعب أوقاتي:

– أنتِ في مقام أمي الله يرحمها يا بابا سعاد.. وفضلك عليّ فوق رأسي، وتليفوني مش هيقطع كلام معاكي أبداً.

في اللحظة دي، خرج معتز من أوضته.

كان لابس طقم أسود بسيط، ملامحه كانت شاحبة، وتحت عينيه سواد يبين إنه ما ذاقش النوم طول الليل. كان شايل مفاتيح العربية في إيده، وقف قدامي وشفافه بترتعد، والنظرة اللي في عينيه مكنتش نظرة الدكتور المغرور بتاع إسكندرية، كانت نظرة راجل مدرك تماماً حجم الخسارة اللي أكلت قلبه.

قرب خطوتين، وبص للشنط، وبعدين رفع عينيه ليّ وقال بصوت جاف ومخنوع:

– أنا اللي هوصلك المطار يا فرح.. لو سمحتِ، ما ترفضيش الطلب ده. ده آخر رجاء ليّ عندك.

بصيت لمرات عمي اللي هزت رأسها بالرجاء، فأنزلت رأسي بهدوء وقلت:

طول الطريق للمطار، العربية كانت ساكتة. مفيش غير صوت الموتور وصوت الراديو الشغال بوطء شديد. معتز كان ماسك الدريكسيون بإيدين بترجف، وكل شوية يبص عليّ في المراية يعاين ملامحي، كأنه بيحاول يسجل كل تفصيلة في ذاكرته عشان تونس وحدته في الأيام الجاية.

وصلنا مطار القاهرة. نزل الشنط وحطهم على العربية الخاصة بالتفتيش، ووقف معايا عند بوابة الدخول الأخيرة، المحطة اللي بعدها مفيش أي مجال للرجوع.

وقف قدامي، ومسح وشه بإيده، وسحب نفس طويل كأنه بيحاول يجمع شتات نفسه:

– فرح.. أنا عارف إن كلمة أسف مفيش ليها قيمة دلوقتي، وعارف إن السنتين دول هيغيروا فيكي حاجات كتير.. بس أنا عايزك تعرفي حاجة واحدة بس قبل ما تمشي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *