كنت راجعة البيت 2
سكت لحظة، وعينيه لمعت بدموع حابسه بالعافية:
– أنتِ غيَرتيني يا فرح. غيَرتي تفكيري، وعلمتيني يعني إيه بني آدم بجد. الكلمة اللي قلتها زمان كانت أجهل كلمة خرجت من لساني، وأنا فعلاً اللي كنت الجاهل، الجاهل بجمال روحك وعقلك وكرامتك. أنا هفضل مستنيكي.. هشتغل على نفسي وهتغير، ومستعد أستناكي سنتين، أو العمر كله، عشان بس تديني فرصة أكون الراجل اللي يستاهل يوقف جنبك.
بصيت له بعيون هادية، مفيش فيها غضب، ولا انتقام، ولا حتى حقد. النضج اللي وصلت له خلاني أشوف معتز مجرد درس انتهى، وشخص ربنا حسّنه بسبب الوجع اللي سببه لي.
ابتسمت له ابتسامة راقية وواثقة، وقلت بصوت ثابت هز أركانه:
– ما تستنانجش يا معتز.. متستناش حد عشان تغير نفسك، اتغير عشان نفسك أنت، وعشان تبقى إنسان أفضل للي جاية في حياتك. أنا مش راجعة عشان أكون فرصة ثانية لحد، أنا طالعة أبدأ حياتي الخاصة بيّ. سامحتك على الكلمة، بس المسافات اللي بيننا بقت أكبر من إنها تتصلح بانتظار. خلي بالك من بابا سعاد.. وشكراً على التوصيلة.
مسكت عربية الشنط، ولفيت ظهري بثبات.
خطواتي كانت واثقة، كعبي بيخبط على أرض المطار بثقة أنثى استردت حقها وكرامتها وعقلها من غير ما تنزل لمستوى اللي أهانوها. سمعت صوته من ورايا وهو بينادي بصوت واطي ومكسور:
– فرح…
ما لفتش. كملت طريقي قدام، عدت بوابات التفتيش، وبصيت من الشباك الزجاجي الكبير للمطار. الطيارة كانت مستنية على الممر، والشمس كانت طلعت بالكامل ومالية المكان بنورها.
أنا فرح.. بنت المنصورة.
اللي حاولوا يكسروها بكلمة “جاهلة”، فخلت الكلمة دي الوقود اللي طار بيها للقمة.
دخلت الطيارة، قعدت في كرسي جنب الشباك، ربطت حزام الأمان، ومسحت دمعة دافية نزلت من عيني.. دمعة وداع للماضي، وابتسامة استقبال لمستقبل مش هيقدر فيه أي حد يقلل من قيمتي تاني أبداً.
