كنت راجعة البيت 2

جيهان وشها جاب ألوان، ومعتز حاول يداري ضحكة مكتومة ظهرت على طرف شفايفه، لكن عيونه كانت متعلقة بيّ وأنا بتصرف بكل ثبات ورزانة.

بعد ما جيهان مشيت بساعة، كنت قاعدة في البلكونة بالليل، الهواء كان بارد وجميل، ومسكة كتاب باللغة الألمانية بقرأ فيه. سمعت خطوات خفيفة، ولقيت معتز دخل البلكونة، وشايل في إيده كوبايتين شاي.

حط كوباية قدامي على السور الصغير، ووقف جنبي، وعينيه متثبتة على الأفق:

– الشاي ده بمرمية.. زي اللي بتحبيه.

بصيت للكوباية وبعدين بصيت له ببرود:

– شكراً يا معتز، بس تعبت نفسك ليه؟

سكت شوية، وسحب نفس طويل، صوته المرة دي مكنش فيه أي نبرة غرور، كان صوت واحد مكسور بيحاول يعترف بغلطته:

– أنا أسف يا فرح.

لفيت وشي ليه بذهول خفيف. معتز المغرور، دكتور المستقبل، بيتأسف؟

كمل كلامه بنبرة صادقة وفيها رجفة وجع:

– أنا أسف على كل كلمة قلتها.. أسف إن غروري والشهادة والعيشة بره عموا عيني عن الجوهرة اللي كانت قدامي. أنا كنت غبي يا فرح.. كنت فاكر العلم بالشهادات والمظاهر، لحد ما شفتك وعرفت إن العلم حكمة وأخلاق وثقة. أنا كل يوم بشوفك فيه، بندم على كل لحظة خسرتها وأنا بعيد عنك.. وعلى الكلمة البشعة اللي قلتها عنك في الأول.

كلامه كان طالع من قلبه، ونظرة عينيه كانت مليانة رجاء وإعجاب صريح مفيش فيه زيف. قلبي دق دقة صغيرة، مش عشان بحبه، لكن عشان كرامتي وأخيراً أخذت حقها تالت ومتلت قدام الشخص اللي حاول يكسرها.

سكت لحظات، وبعدين بصلته بثبات وقلت بصوت هادي:

– اعتذارك مقبول يا معتز.. بس الأسف بيصلح الغلط، لكن مش بيمحي الأثر. أنت ما غلتش فيّ بس، أنت حطيت بيني وبينك سور من أول يوم.

قرب خطوة ونبرته بقى فيها ترجي:

– اديني فرصة واحدة أهد السور ده يا فرح.. اديني فرصة أثبتلك إني اتعلمت الدرس، وإني مستعد أعمل أي حاجة عشان تسامحيني بجد، وتشوفيني من جديد.

بصيت له وللكتاب اللي في إيدي، وقبل ما أرد أو أقول أي كلمة، رن تليفوني على الترابيزة.. اسم الدكتور المباشر على رسالتي في ألمانيا ظهر على الشاشة، ومكان مكتوب فيه إفادة القبول النهائي لمنحة السفر لإتمام الدكتوراة في برلين لمدة سنتين.. سفر يبدأ الشهر الجاي!

شاشة التليفون كانت بتنور باسم الدكتور “مولر”، والرسالة التأكيدية بتمويل السفر لبرلين لمدة سنتين نزلت قدام عيني زي طوق نجاة، أو ربما زي السهم الأخير اللي هيحسم كل حاجة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *