عزومة بطعم الغدر 2

بدأوا ينزلوا العفش حتة حتة. أنا كنت واقفة فوق، لابسة عبايتي وطرحتي، ومستنية آخر كرتونة تنزل.
وأنا نازلة على السلم، شايلة شنطة إيدي وفيها دهبي وورقنا المهم، باب شقة حماتي اتفتح ببطء شديد. حماتي كانت واقفة ورا السلك، وشها كان دبلان وعينيها مکسورة بصحيح، مش مکسورة تمثيل. شافت عفش ابنها بينزل على نقالات الخشب، وشافت السلم بيخلى من حسه. بصيت لها ووقفت على الدرجة اللي قدام بابها. سكتت ثواني، وبعدين نزلت عيني في الأرض وقلت بصوت هادي وخالي من أي شماتة مع السلامة يا حماتي… حقك عليا لو في يوم قصرت في حقك، بس أنتوا مسبتوليش طريق تاني غير ده. ابنك هيفضل ابنك، وتلفونه معاكي، ولو عوزتيه في أي وقت هيجيلك، بس بيتي وحياتي هيفضلوا ملكي أنا وهو.
حماتي دموعها نزلت على خدها، وفتحت السلك ومدت إيدها المرتعشة، بس سحبتها تاني كأنها مكسوفة من نفسها هتمشي وتسيبي البيت يفضى يا مروة؟ طارق هيهون عليه يبعد عن حضڼي؟ اللي بعده عن حضنك مش أنا يا حماتي… اللي بعده هو الظلم والغل اللي ملى البيت. خلي نجوى تنفعك بقى، وخليها تطبخلك البشاميل اللي كانت عينيها فيه.
نزلت باقي السلم ومستنيتش أسمع ردها. في المدخل تحت، كانت نجوى واقفة ورا شباك صالتها الموارب، شفت وشها الأصفر وعينيها اللي كانت بتتاكل من الغيظ… هي كانت فاكرة إنها هتطردني وتستفرد بالشقة اللي فوق لعيالها، بس مكنتش عاملة حساب إن طارق مش هيسيب الشقة بالساهل، وإن إبراهيم جوزها هيشيل طين البيت ومصاريفه كلها لوحده من غير ما طارق يدفع مليم بعد كده، وإن حماتي مش هتسامحها على الليلة دي طول العمر.
ركبت كابينة عربية النقل جنب طارق، والعربية اتحركت وخرجت من الحارة لشارع المحطة الواسع. الشمس كانت طالعة صافية، ونسمة الهوا الصباحية دخلت من الشباك ملّت صدري بالنضافة والحرية. بصيت لطارق، لقيته باصص للطريق قدامه، وإيده ماسكة الدريكسيون بثقة. سألته رايحين على فين يا هندسة؟ بصلي وضحك، ضحكة صافية رجعتله سنين من شبابه شقة في أول فيصل، واخدها إيجار جديد من صاحب عمري، تالت بلكونة، بحري وبترد الروح… ومفيهاش غير مفتاحين اتنين بس يا مروة، واحد في جيبي، وواحد في جيبك أنتي وبس!
مسكت إيده، ورجعت ضهري لورا وأنا بتنفس براحة لأول مرة من يوم ما دخلت العمارة دي. صحيح الأكل اتسرق، وصحيح اليوم كان كله نكد وپهدلة، بس في الآخر… صينية البشاميل اللي طمعوا فيها، كانت هي السبب اللي فتح عينينا على الحقيقة، والشرارة اللي حړقت قيود الغدر، وبدأت لنا حياة جديدة ملهاش سقف غير السما الصافية وراحة البال.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *