من اول يوم جواز 3
قمت وأنا مش حاسة برجليا، طلعت السلم في الضلمة، ورحت قدام باب شقتهم المقفول. حطيت وشتي على الخشب البارد، وبقيت أبكي وأخبط بإيديني الاثنين بكل قوتي:ـ «يا رب… يا رب أنا ظلمت! يا رب خذني وارحمني من النار اللي في قلبي دي!
يا رب لو هي سامحتني أنا مش قادرة أسامح نفسي!».فضل صوت خبطي يتردد في العمارة الفاضية، وما كانش في أي رد… غير صدى صوتي وهو بيرجعلي محمل بالكسرة والندم اللي جه بعد فوات الأوان. مرت السنوات، وأنا قاعدة في نفس المكان، على نفس الكرسي اللي شهد على أنانيتي وقسوتي.
كبرت في السن بسرعة مرعبة، شعري ابيض بالكامل، وجسمي انحنى، وعيني أظلمت من كثرة البكاء والندم. البيت بقى يفرز ريحة الهجر، الجدران اتقشرت، والتراب غطى كل شيء، وأنا بقيت مجرد بقايا ست كانت في يوم من الأيام فاكرة إن القوة في الجبروت والتحكم.
بناتي عايشين في بيوتهم، مشاغل الحياة أخذتهم، وبقت زيارتهم ليا زي تأدية الواجب أو رفع العتب، يجوا مرة كل شهرين، يقعدوا دقائق على أطراف الكراسي وعيونهم في الموبايلات، ويستعجلوا عشان يمشوا… بالضبط زي ما كنت بستعجل مرات ابني يوم العزومة: «خلصينا بسرعة!
».أما ابني… فمات بالنسبة ليا وهو حي. الفلوس بتوصلني كل أول شهر من خلال بنك، لكن صوته انقطع تمامًا. غير أرقامه، وعشت السنوات دي كلها ما أعرفش عن أخباره غير إنه بقى تايه في الغربة، عايش مع واحدة لا تعرفه ولا يعرفها، بيدور على راحة البال اللي دمرتها له بأيدي.
وفي صباح يوم جمعة، والشمس طالعة ببطء بتنور الشقة الهادية، حسيت بتقل شديد في صدري، ونفسي بقا يروح ويجي بالعافية. عرفت إن ساعتي قربت، وإن رحلتي في الدنيا بتنتهي، وبدل ما أخاف من المو. ت، حسيت براحة… حسيت إن العذاب اللي عشته في الدنيا أخيرًا هيخلص.
جرّيت جسمي بالعافية وطلعت على السلم للمرة الأخيرة. وقفت قدام باب شقة ابني المقفول من سنين، حطيت إيدي المرتعشة على الخشب، وبست الباب وقلت بصوت واطي ومبحوح:ـ «سامحني يا ابني… سامحني يا حبيبي على البيت اللي هدمته وعلى عمرك اللي ضيعته».
نزلت شقتي بالعافية، وقعدت على الأرض جنب الباب البراني، عشان لما يأجي أجلي يعرفوا يدخلوا ياخدوني. وفي اللحظة دي، وأنا بين الحياة والمو. ت، وغمضت عيني، شفتها… شفت مرات ابني. ما شفتهاش وهي بتعيط ولا وهي مكسورة…