من اول يوم جواز 3
الكلمة نزلَت عليا زي ما تكون خنجر اتغرس في نص صدري، اتسمرت مكاني ومعدتش قادرة أتنفس، وبنتي مسكت فيا وهي بتصرخ وتترجاه: «يا فلان عشان خاطر ربنا ما تعملش فينا كده! كفاية اللي حصلينا، هتسافر وتسيب أمك لوحدها في كبرها؟
مين هيراعيها ومين هيقف جنبها؟».بص لها ابني بنظرة ميتة، نظرة واحد خلاص بايع الدنيا واللّي فيها، وقال ببرود يقطع القلب: «ما هي كانت عايشة وبخير، وعندها بناتها اللي كانت بتعمل عشانهم العزومات، خلوكم جنبها وراعوها…
أنا هنا ماليش وجود، أنا كل ما ببص في وشها بشوف دمي ودم مراتي المهدور، بشوف الحرمة اللي ظلمناها ونفسي بتتسحب مني. أنا طيارتي كمان أسبوع، ومش هغير رأيي».خرجنا من شقته بالعافية، بنتي سانداني وأنا رجليا بتتجر على السلم زي الجثة.
الشارع كان زحمة والناس بتتكلم وتضحك، وأنا حاسة إن كل الناس دي شايفين الذنب اللي متعلّق في رقبتي، حاسة إن ربنا بيوريني عقابي في الدنيا قبل الآخرة. رجعت الشقة تحت… البيت اللي كان من شهور قليلة مليان دفء ودعوات حلوة وصوت حركة مرات ابني من الفجرية.
قعدت على الأرض في الصالة، وبقيت أبص لكل شبر فيها… هنا كانت بتقف تمسح التراب وهيا بتسبّح، وهنا كانت بتحطلي كوباية الشاي وتقولي «تسلمي يا ماما»، وهنا… هنا بالظبط وقفت تحايلني بدموعها وتقولي «أبويا تعبان يا ماما»، وأنا بمنتهى القسوة والعمى قلت لها: «وأنا مالي؟».
مرت الأيام السبعة زي الكابوس البطيء. لا كنت باكل ولا بنام، وبنتي كانت بتجيلي كل يوم تحاول تأكلني لقمة، بس اللقمة كانت بتوقف في زوري زي الشوك. وكل ما أغمض عيني، أشوف منظر تليفونها وهو بيرن على التربيزة وأنا قفلاه بإيديا، وأسمع صوت أمها وهي بتصرخ في السماعة «أبوكي اتوفى يا بنتي وأنتِ مش جنبه».
وفي يوم السفر… الصبح بدري، الوقت اللي كانت مرات ابني بتصحى فيه تجهز بنت أختها للمدرسة، سمعت صوت خطوات تقيلة على السلم البراني. طرت على الباب وفتحته بإيدين بتهتز… لقيت ابني نازل، شايل شنطتين كبار في إيده، ولابس هدوم السفر.
وشه كان شاحب ومطفي، كأنه رايح لمقبرته مش لطيارته. أول ما شافني واقفة على الباب، اتسمر في مكانه. وقفت في وش السلم، ونزلت على ركبي قدام رجله، ومسكت في بنطلونه وبكيت بصوت العمارة كلها سمعته:ـ «يا ابني عشان خاطر اللبن اللي رضعتك إياه…