من اول يوم جواز 3

وفي ليلة من ليالي الشتا، والبرد بياكل في العضم، والتليفون الأرضي رن. طرت عليه بإيدين بترتعش ودقات قلب سريعة زي الطبول:ـ «ألو… يا ابني؟ يا فلان أنت طمنّي عليك يا حبيبي!».جالي صوته من أقصى الدنيا، بس ما كانش صوته اللي أعرفه.

.. كان صوت راجل عجوز ومكسور، راجل الشيب كل دماغه والغربة هدت حيله. ـ «إزيك يا أمي…» قالها ببرود وجفاف يقتل. ـ «أنا مش كويسة يا ابني! أنا بمو. ت في اليوم ألف مرة! ارجع يا فلان…

ارجع يا حبيبي وعاقبني، تعالي قعدني تحت رجليكم، بس ما تسيبنيش يمو. ت لوحدي في الضلمة دي!».سكت ابني شوية، وسمعت صوت تنهيدة طويلة وموجوعة طالعة من صدره، وبعدين قال بصوت واطي:ـ «أنا مش راجع يا أمي… أنا اتجوزت هنا».الكلمة اتغرزت في قلبي، شهقت وقلت له: «اتجوزت؟

! اتجوزت يا ابني وسيبت مراتك اللي كانت شايلاك وشايالنا؟!».ضحك ضحكة مكسورة مليانة مرار وقال:ـ «مراتي؟ هي فين مراتي دي يا أمي؟ أنتِ نسيتي إنك أنتِ اللي طردتيها وحرمتيها من أبوها ورجعتيها لبيتها مكسورة؟ أنا اتجوزت ست أجنبية هنا…

لا بتبص في وشي، ولا بتسأل عليا، ولا بتعملي كوباية شاي، ولا أعرف عنها حاجة ولا تعرف عني حاجة… اتجوزت مجرد ظل، عشان أهرب من الوحدة وعشان أثبت لنفسي إني لسة عايش».ـ «يا ابني حرام عليك نفسك! تعالي وهات زوجتك واقعدوا معايا هنا!

».ـ «آجي فين؟» صرخ ابني فجأة وصوته اتهز بالعياط: «آجي للبيت اللي دمرتيه؟ آجي للشقة اللي كل ما أفتكرها بفتكر إني كنت جاف وساكت وأنتِ بتدبحي في مراتي؟ عارفة يا أمي… أنا كل يوم بالليل بفتح الصورة القديمة لمراتي، وببكي كأني عيل صغير.

أنا ضيعت جوهرة من إيدي عشان أرضيكي، وفي الآخر قعدت في الغربة وحيد ومكسور. أنا بكلمك بس عشان أقولك إني بعتلك مبلغ في البنك يكفيكي، وما تتصليش بيا تاني على الرقم ده لأن هغيره».ـ «لا يا فلان! عشان خاطر ربنا ما تقفلش! يا ابني سامحني! يا ابني رد عليا!

».ـ «مع السلامة يا أمي… ادعي ربنا يسامحنا، لو كان فاضل في عمرنا وقت للأسف».والخط اتفصل. صوت التوت… توت… توت… كان بيض. رب في ودني زي الرصاص. وقع السماعة من إيدي على الأرض. صرخت بأعلى صوتي في الشقة الفاضية، صرخة طلعت من جوايا هزت حيطان البيت اللي بقا زي المقبرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *