من اول يوم جواز 1

مرت الأيام، وأنا قاعدة في شقتي لوحدي. ما بقاش في حد يصحى بدري يجهز بنتي للمدرسة، بنتي بقت تروح من غير فطار، الأكل ما بقاش يتعمل، والبيت اتملى تراب وسكوت يوجع القلب. كنت كل يوم أطلع السلم، أقف قدام باب شقتهم، أسمع صوت بكاها اللي مكتوم من ورا الباب، ابني كان بيفضل معها، يترجاها تاكل أو تشرب حاجة، وهي ما بتنطقش.

.. انطوت على نفسها تمامًا. وفي يوم، بعد أسبوعين من العزا، قررت أطلع لها. كنت عايزة أبوس راسها، أترجاها تسامحني، أقولها إني كنت عمياء والغشاوة اتسالت من على عيني. طلعت وخبطت على الباب. فتحلي ابني، كان خاسس ونفسه مكسورة. أول ما شافني، وشه اتغير وقالي بصوت واطي:ـ «جاية ليه يا أمي؟

».ـ «عايزة أشوفها يا ابني… عايزه أعتذر لها، أنا مش قادرة أنام من ذنبي».قبل ما ابني يرد، خرجت هي من الأوضة. كانت لابسة أسود في أسود، وشها باهت تمامًا، وعينيها حولها هالات سودة تقيلة. بصلتي… بس المرة دي ما كانش في عينيها عتاب ولا زعل ولا كسرة.

.. كان في عينيها حاجة أصعب بكتير، كان في عينيها “فراغ” قاتل، كأني بالنسبة لها بقيت جثة أو شيء مش موجود. قربت مني بخطوات هادية، ووقفت قدامي بالظبط. أنا مديت إيدي عشان أمسك إيدها وأقولها سامحيني، بس هي رجعت خطوة لورا، وبصت في عيني وقالت بصوت هادي وميت، أعصر من أي صريخ:ـ «حق أبويا مش هسامحك عليه لحد ما أقف أنا وأنتِ قدام ربنا.

.. ومسحتي من حياتي للأبد».وبعدها بصت لجوزها وقالت له بكل برود:ـ «يا طلقني دلوقتي يا إما أنا نازلة ورايحة بيت أهلي ومش راجعة هنا تاني أبدًا».ابني اتجمد مكانه، بص لمراته وبصلي، وكان شكله زي اللي مضروب بآلة حادة على دماغه.

حاول يمسك إيدها ويهديها وهو بينهج:ـ «يا بنت الحلال اهدى، كل حاجة هتحل، أمي جاية تعتذرلك وتستسمحك، عشان خاطر ربنا ما تهديش البيت بالسرعة دي!».سحبت إيدها منه ببرود يخوف، بصت له بعيون خالية من أي مشاعر وقالت له:ـ «البيت اتهد خلاص يوم ما وقفتوا كلكم تتفرجوا عليا وأنا بسترجى عشان أشوف أبويا للمرة الأخيرة وما حدش حن عليا.

أنا ما بقاش ليا مكان هنا، ولو ما طلقتنيش بالمعروف دلوقتي، أنا نازلة بشرطة وأهلي هما اللي هيتصرفوا».أنا كنت واقفة مش قادرة أرفع عيني فيها، لساني كان مربوط، والدموع كانت نازلة على وشي زي المية السخنة. مديت إيدي ومسكت طرف طرحتها وقلت لها بصوت مبحوح ومرعوب:ـ «يا بنتي سامحيني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *