من اول يوم جواز 1
.. الأكل اللي هي عملته ودموعها نازلة فيه، السلطة اللي كانت بتعملها وهي إيدها بتترعش، الرز اللي كنت بقولها “متكروتهوش”… كل لقمة أكلناها أنا وبناتي بقت زي النار في بطني. أفتكرت كل كلمة قلتها لها: «وأنا مالي؟»، «اقفلي الموبايل وخلصينا»، «لما تخلصي هديهولك».
الكلمات دي كانت بتتردد في ودني زي الصدى، وبتدبحني من الوريد للوريد. عدت ساعة، ساعتين، والأوضة كانت بتضلم ببطء. التليفون بتاعي رن، كان ابني. مسكت التليفون وإيدي بتترعش، مش قادرة أرد، مش قادرة أقوله أنا عملت إيه في مراته. رديت بصوت متقطع: «ألو… يا ابني…».
صوت ابني كان مفزوع وبيعيط بحرقة:ـ «أمي! عمي اتوفى! مراتي فين؟ خالتي بتكلمني وبتصرخ بتقولي هي ما جتش ليه وعمي كان بيسأل عليها قبل ما يطلع في الروح؟ هي فين يا أمي؟ إزاي ما راحتش لبوها؟ أنتِ ما خليتيهاش تمشي ليه؟!».
السؤال نزل عليا زي الصاعقة، الحلق اتجمد في لساني وما عرفتش أنطق، ما عرفتش أقوله إن عشان أجهز سفرة لبناتي حرمت مراته تعوض آخر لحظة مع أبوها. سمع سكوتي، وصوته اتغير من الفزع للغضب الشديد:ـ «أمي… أنتِ قفلتي موبايلها؟ أنتِ حبستيها عشان تعمل الأكل؟
رد عليا يا أمي قوليللي إن الكلام ده مش صح!».قفلت الخط في وشه لأني ما قادرتش أواجه الحقيقة. قعدت على الأرض وبكيت لأول مرة من قلبي، بكيت على قسوتي، على أنانيتي، على العمى اللي كان في عيني وأنا شايفاها بتتكسر قدامي ومستمرة أضغط عليها.
على الساعة واحدة بعد نص الليل، الباب اتفتح ببطء. دخل ابني… وشها كان أسود من الحزن، وعينيه أحمر من العياط. ما كانش معاه مراته. وقف قدامي، وبصلي بقلب مكسور وقالي:ـ «مراتي على جثة أبوها يا أمي… بتصرخ وبتقوله سامحني إني ما جيتلكش، بتترجاه يسامحها وهي مالهاش ذنب.
خالتها وأخواتها طردوني من السرادق لما عرفوا إنها كانت عندك بتخدم وتعمل أكل وبناتك أكلوا ومشيوا وهي محرومة من أبوها! طردوني يا أمي وبقيت واقف في الشارع مش عارف أودي وشي فين من الناس!».سكت شوية وبصلي بوجع عمره ما بصلي بيه قبل كده وقالي:ـ «هي عمرها ما قصرت معاكي في حاجة.
.. عمرها ما زعلتك… كانت بتشيلك على راسها، تقوم الصبح تخدمك قبل ما تخدم نفسها، ده جزاء إنها أمنتك على نفسها ووثقت فينا؟ إحنا ظلمناها يا أمي… وأنتِ دمرتي بيتي».سابني ودخل شقته فوق، وسمعت صوت رزعة الباب اللي زلزلت العمارة كلها.