من اول يوم جواز 1
اول ما فتح ، لقت عشرات المكالمات الفائتة من أمها. بصتلي بسرعة، وبعدين اتصلت بيها. ما لحقتش تقول «ألو» حتى، إلا وصوت أمها انفجر في السماعة بالبكاء:ـ إنتِ فين؟!اتجمدت مرات ابني مكانها. ـ في إيه يا ماما؟!صوت أمها كان بيتقطع من العياط:ـ أبوكي.
.. أبوكي اتوفى يا بنتي… اتوفى وأنتِ مش جنبه… كان بيسأل عليكي وبيقول عايز أشوفها قبل ما أمو. ت، وأنتِ فين يا بنتي؟ ليه ما جيتيش؟!وقع التليفون من إيدها على الأرض، وصوت الشاشة وهي بتتكسر كان زي صوت حاجة بتتكسر جوايا أنا.
اتجمدت مكانها، عينيها برقت، ولونها اتخطف تمامًا وبقت زي الجثة. ما صرختش، ولا بكت، ولا طلعت كلمة واحدة من بؤها… كانت واقفة بتبصلي بصه مرعبة، بصه كأنها بتتساءل: «ليه؟ عملت فيكي إيه عشان تحرميني من آخر نظرة لأبويا؟
».فجأة، طاحت على الأرض مغمى عليها، أغمى عليها زي الشجرة لما تتقطع من جذورها. بناتي صرخوا، والبيت اللي كان مليان ضحك وحس صبيايا انقلب لمناحة في ثواني. بناتي جريوا عليها يحاولوا يفوقوها، يمسحوا وشها بالمية، يض. ربوا على خدها بشويش، وأنا.
.. أنا كنت واقفة مكاني مش قادرة أتحرك خطوة واحدة. رجليا كانت شايشاني بالعافية، وعيني جاية على الموبايل المرمي على الأرض وشاشته المكسورة، الموبايل اللي أنا بإيديا دول قفلته، وحرمتها بسببه من أصلح لحظة في حياتها.
بعد محاولات، بدأت تفتح عينيها ببطء، بس عينيها ما كانتش شايفانا، كانت زي الميتة اللي بتتنفس بس. بناتي مسكوها يسندوها، وهي قامت تقف بالعافية، كل جسمها كان بيترعش. ما بصتش لحد، ما عاتبتش، ما صرختش، مشيت بخطوات تقيلة ومكسورة ناحية باب الشقة.
جريت بنتي الكبيرة عليها وقالت لها بدموع:ـ «استني يا حبيبتي، ما تخرجيش لوحدك كده، هنروح معاكي، استني لما ندق على أخويا أو نجيب عربية!».مرات ابني حركت راسها بالنفي ببطء شديد، وصوتها طلع مخنوق وواطي زي الشبح:ـ «حد يسيبني… محدش يلمسني… أنا عايزة أروح لأبويا».
فتحت الباب ونزلت على السلم، مش بتجري، لكن بتمشي زي اللي رايحة لحبل الإعدام. بناتي نزلوا وراها يجروا، وأنا فضلت واقفة في الشقة لوحدي. البيت اللي كان دايما دافي بريحتها وشغلها، بقى فجأة زي القبر، بارد وياكل العضم. قعدت على أول كرسي قابلني، وبصيت للسفرة اللي كانت لسة مليانة أكل.