عدت الأيام الأولى بعد الليلة دي وزي ما تكون العاصفة سابت وراها خراب ساكت. مصطفى مابقاش يدخل الشقة، يجي من الورشة أنصاص الليالي، ياكل لقمة عند أمه تحت، ويطلع ينام على كنبة الصالة من غير ما ينطق معايا بكلمة واحدة. كان يبص لي بنظرات كلها غل وانتقام، كأني أنا اللي تجوزت عليه وشردت بيته، مش هو اللي خان وغدر. أما حماتي، فالموضوع عندها اتحول لمعركة وجود. مابقتش تنادي عليا ولا تطلب مني خدمة، بس سياستها اتغيرت. بقت تجيب سلفتي التانية—اللي كانت حاطة إيد على إيد طول السنين اللي فاتت—وتخليها تنزل تخدمها مخصوص، وتبالغ في الدلع والمحبة ليها قدامي عشان تحسسني إني بقيت برة البيت ومغضوب عليا. والمشاحنات مابقتش تهدى؛ كل ما أنزل أجيب حاجة وولادي يلعبوا في السلم، تسمعني كلمتين زي السم:ـ العيال دول متربيين على القسوة، بكرة يكبروا ويطلعوا لأمهم يكسروا كلام الكبار! أنا كنت ساكتة، بس السكوت المرة دي مكنش ضعف ولا قلة حيلة.. كان سكوت اللي بيبني نفسه من جديد. أيدي اللي كانت متشرحة من الصابون والماية بدأت تطيب، وضهري اللي كان مكسور من الفجر بدأ يرتاح. لأول مرة من ۱۳ سنة، أصحى الصبح أعمل كوباية الشاي لنفسي ولولادي، أقعد معاهم أراجع لهم دروسهم، وأحس إن عندي كرامة لازم أحافظ عليها. وفي يوم، كنت نازلة أشتري طلبات للبيت، ولقيت مصطفى واقف في مدخل العمارة بيتكلم في التليفون وصوته واطي بس ملغوم بالتوتّر. وقفت ورا العمود أسمع، ولقيته بيقول:ـ يا ندى اصبري عليا شويه! أبويا ماسك عليا الورشة والفلوس، لو اتكلمت دلوقتي هيرميني في الشارع مش هيلقيني قيراط واحد! أنا بروح لها بيت أهلك كل أسبوع وبديكي مصاريفك.. اصبري لحد ما أكتف أمل وأخليها هي اللي تطلب الطلاق وتتنازل عن الشقة وولادها، وساعتها الشقة هتبقى لينا ونرجع نعيش هنا رغماً عن عين الكل!دمي غلي في عروقي، ورجعت خطوتين لورا وأنا بجز على سناني. الخطة كانت واضحة: مصطفى ومامته مستنيين لحظة ضعفي، عايزين يضغطوا عليا بقلة الحيلة والجاه والفلوس لحد ما أستسلم وأرمي كل حاجة وأمشي بطولي. طلعت الشقة، وعقلي بيشتغل زي الشرار. مصطفى مقطع عني المصاريف بقاله أسبوعين، بيسيب مبالغ تافهة لا تكفي أكل العيال ولا دروسهم، فاكر إنه بكده بيلوي دراعي. بس هو نسي إن أنا بنت البيت ده، وعارفة كل صغيرة وكبيرة فيه. بعد العصر، نزلت لدكان عمي الكبير اللي جنب الورشة. عمي كان قاعد بيراجع الدفاتر، ولما شافني قام وقف ورحب بيا بحفاوة:ـ أهلاً يا أمل يا بنت أخويا.. تعالى يا بنتي اقعدي، اخبارك وإخبار الولاد إيه؟ قعدت على الكرسي وبصيت لعمي بثبات وقلت له:ـ الحمد لله يا عمي.. أنا جاية لك في كلمتين وش ومفيش فيهم لف ولا دوران. مصطفى جوزي منع عني وعن ولاده المصاريف، وناوي يضغط عليا عشان أتنازل عن حقي وحق ولادي وأسيب الشقة. وأنا من النهاردة مش هكون الست الضعيفة اللي بتستنى الحسنة. عمي حط القلم من إيده وبص لي باهتمام:ـ عايزة إيه يا أمل؟ اؤمري والأمر لله، فلوسك ومصاريفك توصلك لحد عندك غصباً عن أي حد!رديت عليه بكل قوة:ـ لا يا عمي. . أنا مش عايزة أرباغ ولا عايزة صدقة. أنا خدمتي في البيت ده طول ۱۳ سنة كانت ببلاش، والنهاردة أنا عايزة حقي بالقانون وبالشرع. أنا لي نسبة في الورشة دي من ورث أبايا المرحوم اللي انتوا كنتوا بتشغلوه وتدوني منه العيش الحر.. أنا عايزة أستلم نسبي ومصروفي من الورشة مباشر من إيدك انت، مش من إيد مصطفى. وعايزة أشتغل، أنا هفتح مشروع صغير في الدكان الفاضي اللي تحت البيت، أبيع فيه حاجات للمنطقة وأصرف على ولادي بعرق جبيني!عمي اتصدم من الكلام، وبص لي بذهول من الشجاعة اللي ظهرت عليا فجأة. وفي اللحظة دي بالذات، دخل مصطفى الورشة وسمع جملتي الأخيرة. وشه اتغير وأحمرّ من الغيظ، وقرب مني وزعق بصوت زي الحريق:ـ مشروع إيه ودكان إيه يا هانم؟! انتِ اتجننتي؟! مراتي أنا تفتح دكان وتشتغل وتفضحني قدام المنطقة؟! ده على جثتي! وقفت قصاده وبصيت في عينيه بثبات يزلزل، وقلت له:ـ جثتك دي تسيبها لنفسك يا مصطفى.. اللي بيخون ويغدر ويدور على الجواز السري، مالوش إنه يتكلم عن الفضيحة والرجولة! الدكان هيتفتح، وحقي هاخده، واللي عندك اعمله! نظرة الذهول في عينين مصطفى كانت كفيلة توريني إنه عمره ما تخيل إن "أمل" الهادية الطائعة اللي شالت بيته ورضيت بالظلم ۱۳ سنة ممكن تقف وتطالب بحقها بعين قوية. اتراجع خطوة لورا ووشه بيجيب ألوان، يبص لأبوه وبعدين يبص لي وهو بيجز على سنانه:ـ بقى انتِ يا أمل كبرتِ وبقى ليكي لسان وتطالبي بورشة ودكان؟ فاكرة إن عمي هيقف معاكي ضد ابنه وسنده في الدنيا؟قبل ما أرد، قام عمي من على كرسيه، وض. رب قبضة إيده على المكتب بقوة زلزلت المكان، وقال بصوت جاف يرعب:ـ اقفل بؤك يا مصطفى! كفاية عار لحد كده! بنت أخويا بتتكلم في حقها الشرعي والأنصبة اللي سابها أبوها الله يرحمه في الورشة دي. من بكرة الصبح، أمل ليها مصروف ماهية ثابتة من إيدي أنا شخصياً، والدكان الفاضي اللي على الشارع بتاعي أنا، وأنا اللي ملكتهولها تعمل فيه المشروع اللي يريحها وتصرف بيه على عيالها بكرامتها! مصطفى بص لأبوه وبدأ يصرخ بصوت هيستيري:ـ انت بتعمل معايا كده عشان خاطرها يا با؟ بتكسر كلمة ابنك قدام الناس وتديها الدكان اللي أنا كنت حاطط عيني عليه عشان أفتحه لندى وولدها؟!الكلمة طلعت منه من غير ما يقصد، بس كشفت المستور كبيـر! كان متفق مع ندى وأمه إنه يحط إيده على الدكان الفاضي بتاع العيلة ويفتحه لمراته الجديدة عشان يكسب رضاها ورضا أهلها بعد الطردة. عمي ضحك ضحكة قاسية ومسكونة بالمرارة:ـ أه.. قولي بقى! ده انت كنت خططت ورتبت ونازل تقش على الجاهز! والله ما يدخله ولا يحط إيده فيه غير أمل وأولادها! وبرة يا مصطفى.. برة الورشة النهاردة ومش عايز أشوف وشك هنا لما تصفى حساباتك وتعرف الأصول!خرج مصطفى وهو بيتحلف وبيض. رب رجليه في الأرض، وطالع على السلم زي المجنون لشن شقة أمه. ساعتها، حماتي نزلت على السلم بتهلل وتصوت عشان تطلم العيلة والشارع، وراها سلفتي اللي كانت عمالة تسخن في النار. وقفت حماتي في نص الشارع وقالت بصوت مسموع للرايح واللي جاي:ـ تعالوا شوفوا يا ناس! الحاج علي بيطرد ابنه الوحيد وصاحب الشغل عشان خاطر بنت أخوه! جايبة السحر والعمل ومكتفة الراجل وكاسرة كلامه!الناس بدأت تتجمع في الشارع، وأنا كنت واقفة عند باب الدكان، قلبي بيدق بثقل، بس مسكت نفسي ورفعت رأسي. نزلت عمي للشارع بصوته الجهور وقال للناس:ـ يا أهل المنطقة والشارع، اللي بيننا أصول ودين! بنت أخويا المرحوم شاييلانا ۱۳ سنة، وابني راح يتجوز عليها في السر ويجيب ضرتها تعيش معاها في شقتها ويهينها، ومين يرضى بالظلم ده؟ الدكان ده حقها وحق أولادها، وأنا اللي أديتهولها، واللي يتعدى عليها يتعدى عليا أنا شخصياً! الناس في الشارع بدأت تتودود، وكبار المنطقة قالوا:ـ الحاج علي بيتكلم بالأصول يا أم مصطفى.. أمل بنت حلال وشايلة البيت طول عمرها وما يرضيش ربنا اللي بيحصل فيها!حماتي لما لقيت إن الشارع والناس واقفين في صف الأصول، وشها اسودّ بالغل، وبصت لي بنظرة ششرار وقالت لي بصوت واطي وهي مقربة مني:ـ ماشي يا أمل. . افتكري إنك بدأتي الحرب دي، وحق ابني والشقة والدكان هاخدهم منك ولو على جثتي! مش هنسيبك تتهني بلقمة واحدة في البيت ده!رديت عليها بثبات ونبرة هادية بس مرعبة:ـ البيت ده بيت جدنا كلنا يا مرات عمي، واللي بنى أصله على الظلم، ربنا بيهده بكسرة نفس. . أنا ما ظلمتش حد، أنا باخد حقي وحق عيالي، واللي جاية تعمليه اعمليه، أنا مش أمل بتاعة زمان!وفي نفس الليلة، أخدت مفتاح الدكان من عمي، وبدأت أظبطه بنفسي، جبت دهان ونضفته، والولاد كانوا فرحانين بيساعدوني وضحكتهم مالية المكان لأول مرة من سنين. أيدي اللي كانت متجرحة من مسح شقة حماتي وطبيخ العيلة، بقت ماسكة الفرشة وبتبني مستقبلي ومستقبل أولادي. بس بالليل، والساعة جت اتنين بعد نص الليل، سمعت حركة غريبة وجرجرة على السلم، وصوت مصطفى بيتكلم بصوت واطي مع حد غريب في بئر العمارة، وبيقول له:ـ هتدخل من الشباك الخلفي وتخلص على الحاجة اللي جوة. . مش عايز باقي للمشروع ده يكتمل بكرة!اتسمرت في مكاني في الصالة وأنا مسكة سكينة المطبخ في إيدي، وعرفت إن المعركة الأخيرة والأخطر في بيت العيلة على وشك أن تبدأ...بقيت ماسكة السكينة في إيدي ونبضات قلبي بتدق زي الطبول في صدري. الخوف تلاشى وحلت محله رغبة نارية في حماية ولادي ونفسي وحقي اللي تعبت عشان أبنيه. مشيت بالراحة على أطراف صوابعي ناحية بلكونة الصالة المطلة على الشارع وبئر السلم، وطلقت نظرة من ورا الشيش. شفت مصطفى واقف في الضلمة مع واحد من صيع المنطقة ومسكه مبلغ فلوس، وبيشاور له على شباك الدكان الخلفي اللي فيه البضاعة والخشب الجديد اللي عمي جابه عشان التجهيز. كان ناوي يولع في الدكان ويتهم مجاهيل، عشان يخسرني كل حاجة ويكسر فرحتي ويقول لعمي: "أهو مشروعها فشل واتحرق!".في اللحظة دي، ما مترددتش لحظة. بدل ما أصرخ وأعمل هيصة تخليه يهرب أو ينكر، اتصلت فوراً بعمي على تليفونه. عمي صحي من نومه مخضوض، قلت له بصوت واطي وثابت:ـ الحق يا عمي.. مصطفى واقف تحت في الضلمة وجايب واحد يولع في الدكان. انزل بالراحة وشوف ابنك بنفسه وهو بيخرب حلالك وبيرمي شرفه في الطين!عمي نزل بسرعة الصاروخ، وفتح باب العمارة الكبير فجأة، وكانت اللحظة الحاسمة. كشافات النور انفتحت، وعمي ماسك عصايته الثقيلة، وجنبه شباب المنطقة اللي صحيوا على الحركة. الولد الغريب أول ما شاف المنظر رمى الجالون والولاعة وجري يهرب، ومصطفى اتسمر في مكانه وزي ما تكون الأرض اتفتحت وبلعته من الفضيحة والعار!عمي قرب منه ووشه شاحب من الصدمة، وبص لابنه بنظرة انتهاء. رفع إيده وض. رب مصطفى قلم طار منه العقال، صوت القلم رن في الشارع كله وقال بصوت مكسور ومجلجل:ـ بقى توصل بيك النذالة يا مصطفى إنك تتفق على حرق حلال أباك ومال عيلتك عشان ترضي كبرك وغل مراتك؟ أنت مش ابني.. ولا أعرفك ولا تشرفني! حماتي نزلت تجري على الصوت وهي بتصرخ، ولما شفت الجالون ومصطفى مقبوض عليه في نص الشارع والناس بتبص له بقرف، طاطت رأسها في الأرض وما قادرتش تفتح بقها بكلمة واحدة. العار كان أكبر من أي أونطة أو زعاق. عمي أخد القرار النهائي وحسم المعركة قدام الكل:ـ يا مصطفى. . مالكش عيش في الورشة دي من بكرة، الشقة دي باسم أمل وأولادها بعقد بيع نهائي كتبتوهولها النهاردة نظير حظها في ورث أبوها وخدمتها سنين طويلة، وأنت تاخد بعضك وتروح لمراتك التانية وعيشك ومصروفك تعملهم بعرق جبينك بعيد عن بيتي وحلالي! مصطفى بص لأمه بقلة حيلة، بس أمه كانت انكسرت تماماً، ومبقاش حيلتها حاجة تقولهالها. أخد هدومه في شنطة وخرج من بيت العيلة مكسور الخاطر والكرامة، وراح للعروسة الجديدة اللي أول ما عرفت إنه اتجرد من الورشة والشقة وساب بيت أبوه، بدأت تعمل معاه نفس المشاكل وباعت القضية لإنها كانت واخدة "صاحب مال وورشة" مش راجل مطرود ومكسور! مرت الأيام، وفتحت الدكان بنفسي. بقى أطعم وأبرك مشروع في المنطقة. ولادي كبروا تحت عيني مكرمين، وأيدي اللي كانت مجروحة من الماية والصابون بقت بتستلم الفلوس حلال بلال من تعبي. وعمي بقى يبص لي بفخر ويقول لي: "أنتِ اللي صنتي البيت والأصول يا أمل". أما حماتي، ففضلت قاعدة في شقتها التحتانية، سلفتي التانية سابتها ومقتش بتنزل لها، ومصطفى مش فاضي لها ومغرق في مشاكله مع ندى. بقت تقعد في بلكونتها تبص عليا وأنا داخلة وطالعة معززة مكرمة، وعينيها مليانة ندم على الجحود والقسوة اللي عاملتني بيهم. الحكمـة:الخدمة والأصل الطيب مش ضعف، بس الصبر لما يزيد عن حده وتحت أقدام الجاحدين بيبقى غباء في حق النفس. اللي يظلم بنت الأصول ويفتكر إن حيطتها مايلة، بيكتشف في الآخر إن ربنا هو اللي بيعدل كفتها. والبيت اللي يتبنى على القسوة والغدر والخيانة، بيقع على رأس صاحبه ولو بعد حين. الست لما تفوق وتعرف قيمتها وحقها، تقدر تبني نفسها من جديد وتكسر عين اللي فكر في يوم إنه يذلها!