طلبت من حماتي 2
منى قربت منه بضع خطوات، وبصت له بثبات يكسر العظام: “بأهلي؟ بأبويا السواق وأمي الخياطة؟ أنزل وسلّم عليهم لو تقدر، أبويا اللي علمنا ما نخافش غير من اللي خلقنا، لو شافك على أول الشارع هيعرف يتعامل معاك بأسلوبه! وأنا مش بس كسبت يا عماد… أنا أثبت لأمي الحاجة نادية إن اختيار ابنها صح، وإن الشقة والأسهم والـ 400 ألف جنيه اللي وصلوا حساسي النهاردة، بقوا في إيد ست تعرف تحمي بيت جوزها وتوقف أمثالك عند حدهم!”
عماد مسك أوراقه بغضب، زق الكرسي، وخرج وهو بيرزع الباب وراه برزعة هزت السلم كله.
الصمت نزل على الشقة. كريم اتنفس براحة كأنه كان مكتوم تحت المية، وبص لمنى ودموعه نزلت: “أنا… أنا مش مصدق اللي عملتيه يا منى. أنتِ جبتِ القوة دي كلها منين؟”
الحاجة نادية قربت من منى، مسكت إيدها وحطت فيها مفتاح قديم فضي، وقالت بصوت مليان فخر ودعاء:
“القوة دي قوتنا إحنا يا بنتي… قوة ست أصيلة حمت بيتها. المفتاح ده مفتاح الخزنة الرئيسية لشركة العيلة. من النهاردة، أنتِ مش بس مراد كريم… أنتِ الشريكة والكلمة الأولى والأخيرة ليكي مع كريم.”
منى بصت للمفتاح، وبعدين بصت لكريم، وحست إن كابوس الـ 3 سنين انتهى، بس حست في نفس اللحظة إن الحكاية لسة ما خلصتش… لأن نبرة الصوت اللي عماد قال بيها “هعرف أوجعكم من الحتة اللي تخصكم” ما كانتش مجرد تهديد في الهواء.
منى بصت لكريم بقلق: “كريم… تفتكر عماد ممكن يوصل لأبويا وأمي في المنطقة؟”
سؤال منى نزل على الصالة زي نقطة مية باردة فوق زيت بيغلي. كريم ما استناش، مسك موبايله بسرعة واتصل على عم سعيد، والد منى. التليفون يَرن… يَرن… وما حدش بيرد.
منى قلبه المقبوض أصلاً اتعصر أكتر، أيديها بدأت ترتعش تاني وهي بتتخيل عماد بشرّه وبغله رايح لمنطقة شعبية زي حارتهم، يستغل طيبة أبوها أو بساطة أمها عشان ينفذ تهديده.
“ما بيردش يا منى… جربت مرتين!” كريم قالها وهو بيتجه ناحية الجزامة عشان يلبس جزمه ويطلع.
الحاجة نادية اتكلمت بصوت فيه حكمة وحزم: “استنى يا كريم! عماد مش عبيط عشان يروح ولا ينط على بيت أبوها بالدراع. عماد حية تتسحب في الضلمة… في أكل عيشهم أو في سمعتهم، وهيعملها بالقانون أو بالافتراء اللي بيتقنه.”
في اللحظة دي، موبايل منى رن. اسم المتصل: “أمي الحبيبة”.
منى خطفت الموبايل وفتحت المايك بصوت مبحوح: “ألو… أيوة يا أمي! بابا فين؟ أنتم كويسين؟”
صوت أمها أجاها متوتر، وفي الخلفية كان فيه دوشة زحمة وصوت سرينة عربية شرطة:
“حقك علينا يا بنتي… أبوكِ في الكاراستين (الموقف). فيه ناس جم وتبلو عليه وقالوا إنه خبط عربية بنز حديثة بالميكروباص بتاعه وهرب، وظابط المرور واخد أبوكِ دلوقتي على القسم! وأبوكِ حلف ميت يمين إنه ما لمسش العربية، بس صاحب العربية جايب معاه شاهدين ورجالة شكلهم يخوف!”
منى بصت لكريم والحاجة نادية، وتأكدت إن عماد بدأ اللعبة المليانة قذارة. عايز يكسر نفس أبوها، ويجرهم للقسم عشان يقايضهم: التنازل عن المحضر مقابل التنازل عن الشقة والأسهم!
“أمي… اهدي خالص. مسافة الطريق وهنكون عند أبويا في القسم.” منى قفلت السكة وبصت لكريم: “يلا يا كريم.”
الحاجة نادية شالت عصايتها وقامت وقفت بقوة يندر تشوفها في سنها: “مش أنتم بس اللي هتروحوا… أنا طالعة معاكم. جه الوقت اللي عماد يفهم فيه إن الحاجة نادية ماتت بالنسبة له، وأنتم عيلتي الحقيقية.”
وصلوا قسم الشرطة بعد نص ساعة. الجو جوة كان مشحون، عم سعيد واقف عند المكتب، هدمته بسيطة، وعينيه فيها انكسار الراجل الشريف اللي عمره ما دخل مركز شرطة في حياته. وجنبه واقف عماد، لابس نظارة شمسية، ومعاه محامي ماسك سجارة وبيبتسم بثقة، وصاحب العربية الفارهة واقف يجعجع .
أول ما عماد شاف منى وكريم والحاجة نادية داخلين، الابتسامة الصفرا رجعت على وشه:
