حفلة تخرجي 3

أخذت نفس عميق. كانت الدقائق بتمر كأنها دهور، وصوت أبويا وهو بينادي باسمي بيتردد في أركان الصالة زيه زي صدى صوت مدير المدرسة يوم حفل التخرج.. بس الفرق إن ندائه النهاردة مكنش تكريم، كان صرخة ندم متأخرة جداً.

بصيت لضابط الشرطة اللي واقف مستني قراري، ولفت عيني لأهلي. أمي كانت هتقع على الأرض من كثر البكاء، وأبويا واقف إيده مربوطة وراء ظهره بقلة حيلة قدام أفراد الأمن، وتامر سانداً بكليته على العكاز وشه في الأرض.

سألت نفسي: هل القسوة هتعمل مني نسخة منهم؟ وهل الانتصار الحقيقي إنِي أديهم ظهري وأمشي كأني معرفهمش؟

رديت على الضابط بصوت هادي وثابت: “يا فندم، خليهم يدخلوا يسلموا عليا.. بس هنا عند البوابة، دقيقة واحدة مش أكثر.”

الضابط أومأ برأسه ودا إشارة للأمن. الباب الزجاجي اتفتح، وجريوا عليا كأنهم بيجروا على طوق نجاة وسط بحر هايج.

أمي اترمت في حضني وهي بتشهق وصوتها طالع بالعافية: “سامحيني يا إيمان.. سامحيني يا حبيبتي، أنا أختك وأمك وجزمتك فوق رأسي! البيت مظلم من غيرك، والسفرة ملهاش طعم، والناس أكلت وشنا.. ارجعيلي يا بنتي أو خدينا معاكي!”

أبويا مسك إيدي الاثنين، ولأول مرة في حياتي أشوف دموع أبويا القاسي بتبل إيدي. كانت إيده بتترعش وهو بيحاول يبوس رأسي قدام الناس والأمن والمصورين اللي واقفين يصوروا المشهد من بعيد: “سامحيني يا إيمان.. الشيطان عمانا، وكنت فاكر إن الشدة هي اللي بتعمل بني آدم. أنا كنت جاهل يا بنتي، افتكرت إن النجاح بالفهلوة والكورة، ومكنتش فاهم إن العلم ده هو السند الحقيقي. ماتسافريش وإنتِ زعلانة مني.. دعوة رضا واحدة منك تريح قلبي!”

تامر قرب مني خطوتين، وعينه ملهاش عين تترفع في عيني. قال بنبرة مكسورة جداً: “يا إيمان.. أنا آسف. أنا اللي استعليت عليكي بمفاتيح العربية والكورة، وأنا اللي اتقال عليا إمبارح في النادي ‘أخو الدكتورة إيمان اللي سابوها لوحدها’. أنا عرفت حجمي الحقيقي النهاردة.. إنتِ أختي الكبيرة، وتاج رأسنا كلنا.”

وقفت وسطهم، الوجع والكسرة في وشوشهم كان كفيل يمسح أي رغبة في الانتقام، بس المأساة إن المشاعر دي متولدتش غير لما بقيت “رقم واحد وتريند وفي طريق إنجلترا”.

مسحت دموع أمي بكل رفق، ورفعت رأس أبويا بإيدي، وبصيت لتامر وقلت بصوت مسموع وواضح: “أنا مش زعلانة منكم.. ومسامحاكم من كل قلبي. المسامحة دي عشان نفسي وعشان أبدأ حياتي الجديدة بقلب نضيف ميهوش كره ولا غل لأحد.”

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *