حفلة تخرجي 3

فتحت الإيميل والطيارة فوق السحاب على ارتفاع آلاف الأقدام. الرسالة كانت من البروفيسور “آرثر جراي”، رئيس لجنة التحكيم الدولية في الأكاديمية الملكية بالبريطانية.

الكلام كان واضح ومباشر: الفيديو اللي انتشر لم يكن مجرد حادثة تريند عابرة، بل تم رفعه من قِبل المنظمة العالمية لدعم المتفوقين كدراسة حالة نادرة عن “التحدي واستقلالية الذات”. والبروفيسور كان بيبلغني إنهم قرروا منحي رتبة “باحث زائر زميل” قبل حتى ما أبدأ دراسة الماجستير، مع تخصيص ميزانية مفتوحة لمشروعي البحثي في تطوير المناهج التعليمية للطلاب الأقل حظاً!

قفلّت اللاب توب، وبصيت من شباك الطيارة. الأفق كان بيتحول بالتدريج للون الأزرق الساطع مع الشروق.

وصلت مطار هيثرو في لندن. الصالة كانت فخمة وهادية جداً. أول ما خرجت من بوابة المظلومين، لقيت وفد رسمي صغير مستنيني، ماسكين لافتة مكتوب عليها باللغتين العربية والإنجليزية: “أهلاً بكِ دكتورة إيمان نصار”.

اللحظة كانت سريالية.. البنت اللي كانت قبل أسبوع بتدور على حقيبة أكل في مكتب مدرسة العربي، النهاردة ماشي وراها وفد تنظيم دولي بيسهل خطواتها في واحد من أكبر مطارات العالم.

نزلوني في فندق عريق قبالة مقر المؤتمر. قضيت ليلتي براجع الكلمة، مش عشان أحفظها، بس عشان أحس ب كل حرف فيها.

جه يوم المؤتمر. القاعة كانت ضخمة جداً، مبنية على الطراز الكلاسيكي الإنجليزي، وامتلت بالكامل بشركات عالمية، وسفراء، وممثلين عن أعتى الجامعات. الكاميرات والشاشات العملاقة كانت في كل مكان، والبث المباشر كان شغال لجميع أنحاء العالم.

لما نده المذيع الداخلي باسمي: “والآن، مع الكلمة الرئيسية للمؤتمر.. الباحثة إيمان نصار من جمهورية مصر العربية”.

المكان اهتز بالتصفيق. طلعت على المنصة بخطوات ثقيلة وثابتة، لابسة طقمي الأسود البسيط وحجابي، بدون أي مظاهر للبهرجة.

بصيت للجمهور، والشاشات كانت بتعرض صورتي. بدأت اتكلم بالإنجليزي بنبرة واثقة وصوت قوي وصل لكل زاوية في القاعة. اتكلمت عن إن النجاح مش شرط يتربى في أحضان الدعم والمجاملات، وإن أعظم الإنجازات هي اللي بتتولد من رحم التجاهل والخذلان.

قلت في نص الكلمة: “عندما يغيب عنك من كان يفترض بهم أن يكونوا سندك، لا تتوقف.. فالعالم أوسع بكثير من كرسي فارغ في مدرج، واستحسان الناس يزول، لكن الاستثمار في الذات هو الوحيد الذي يبقى.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *