حفلة تخرجي 3
الدموع لمعت في عيني، بس المرة دي كانت دموع النصر الكامل. الحلم اللي بدأ بشمعة صغيرة في أوضة ضيقة، ومذاكرة تحت نور السهارة، وكرسي فاضي في حفل التخرج.. بقى مؤسسة وطنية تحمي كل طالب بيعافر في الظلمة.
بعد ما قفلت الاتصال مع الوزيرة، خرجت لصالة المؤتمر الرئيسية. الصحفيين والعدسات كانوا متجمعين، وكل الوسائل الإعلامية المصرية والعالمية كانت بتنشر الخبر العاجل: “قرار رسمي بتعيين الطالبة العصامية إيمان نصار رئيساً للمبادرة الوطنية لدعم المتفوقين”.
في نفس اللحظة، وصلني إشعار على واتساب من رقم أمي.
فتحت الرسالة، كانت صورة صامتة.. صورة لأبويا وهو قاعد في الصالة، وباصص للشاشة اللي فيها خبري العاجل، ولأول مرة أشوف في عينه المزيج الكامل بين الفخر العظيم والندم الحقيقي. كان كاتبلي في رسالة بخط إيده بعتها مع أمي: “يا بنتي.. أنا عرفت إني كنت جاهل، ورأيت النهاردة إن ربنا يعز من يشاء بالعلم، مش بالكورة ولا بالفتاكة. إنتِ بجد رفعتِ رأسنا.. وسامحي أبويكِ اللي كان أعمى عن جوهرتكِ.”
وتامر أخويا بعتلي صورة لشهادة تسجيله الرسمية في كورس الإدارة بالأكاديمية، وكاتب تحتها: “أنا بدأت من الصفر يا إيمان.. وأوعدك هكون إنسان جديد يعتمد على نفسه، عشان أكون يستاهل أكون أخو الدكتورة إيمان نصار.”
قفلت الموبايل، وحطيته في شنطتي. مكنتش محتاجة أرد برسالة ولا بعتاب. الرسالة وصلت، والدرس اتعلموه جميعاً، والعدل الإلهي أخذ مجراه بمنتهى الهدوء والأناقة.
مشيت بخطوات ثقيلة ومرفوعة الرأس في شوارع لندن الماطرة، وأنا متجهة لجامعة أكسفورد عشان أبدأ أول يوم في دراستي للماجستير.
افتكرت كلمتي الأولى في الاستاد: “شكراً للناس اللي مجتش.. عشان الغياب ده علمني كتير”.
والنهاردة، وأنا واقفة في قمة حلمي، بقيت عارفة يقينًا إن الغياب مكنش نهاية القصة.. الغياب كان مجرد البداية اللي أجبرتني أكتشف إن القوة الحقيقية مكنتش في تصفيق أهلي، بل كانت في النور اللي جوايا، النور اللي محدش قدر يطفيه.. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.