خلفة صبيان 2

حامد مسك رأسه بإيديه الاثنين وقعد على حرف السرير وهو بيصرخ صرخة مكتومة من كتر الصدمة، كأنه واحد أخد ضربة بقاسمة على دماغه صحته من غيبوبة سنين. فضل يضرب كف بكف وهو مش مصدق إن الست اللي كان بيظلم مراته عشانها وبيستعد يطلقني عشان ويرميني في الشارع، هي نفس الست اللي خربت بيته وضحكت عليه وعلى أمه وأخواته.

في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية توحيدة وهي بتفرمل قدام البيت، وصوت ضحكتها وهي نازلة ورنة خلخالها وهي داخلة من الباب الخارجي بتبغدد ومبسوطة بعد ما خلصت مشوارها..
حامد رفع رأسه بشويش، وعيونه كان فيها شراني وغضب يكفي يهد البيت كله، وقام وقف وحط التلفون في جيبه.. بصلي بصة أخيره وقال بصوت واطي يرعب: “انزلي معايا يا نورة.. انزلي وشوفي ستك توحيدة وهي بتتغسل حسابها الليلة”.

نزلت ورا حامد بخطوات هادية وثابتة، وقلبي بيدق بقوة بس مش من الخوف، من استنظار اللحظة اللي هتشوف فيها توحيدة وشها الحقيقي في المراية. حامد كان نازل على السلم زي الجبل المهدود اللي بيتجهز للانفجار، خطوته كانت بتهز البيت، وعيونه متثبتة على الباب الخارجي.

كانت توحيدة داخلة الصالة بتبغدد، لابة طرحتها وبتضحك وهي شايلة أكياس كتير في إيدها، وحماتي قاعدة مستنياها على الكنبة بابتسامة وهامسة: “نورتي يا جلب أمك.. عملتي إيه في الفرح؟”. توحيدة بصت لنازلتنا على السلم وقالت بنبرة فيها استعلاء ومكر وهي بتبصلي: “أهو رجعت يا أمي.. بس شايفاه نزلك معاها ليه يا حامد؟ هي لحقت تزن في ودنك ولا إيه؟ أنا مش قتلك تخليها تحت رجلي المرة الجاية كمان عشان تتعدل؟”.

حامد ما ردش، وقف في نص الصالة، ووشه كان زي القطعة الفحم المطفية. توحيدة حسيت إن فيه حاجة غلط، ضحكتها اختفت بالتدريج والأكياس وقعت من إيدها بشويش لما شافت نظرته. قربت منه وقالت بدلع محاول تداري بيه القلق: “مالك يا حامد؟ بتبصلي كده ليه يا أخويا؟ فيك إيه؟”.

حامد سحب التلفون من جيبه ببطء شديد، وعيونه غارزة في عيونها، وضغط على زر التشغيل وصوت التسجيل طلع يصرخ في هدوء الصالة.

أول ما طلع صوت توحيدة وهي بتتكلم عن أرض المحمودية وإزاي بتمشي حامد زي الأعمى وبتسرق المحصول وتتفق مع إبراهيم السواق على الفلوس والشقة المفروشة، المكان اتسحب منه الهواء تماماً. حماتي وقفت مرة واحدة والعكاز وقع من إيدها، ووشها أصفر زي الميتين، وبصت لتوحيدة بذهول وصدمة مش قادرة تستوعبها. سلايفي يخرجوا من الأوض بالراحة ووقفوا يتفرجوا ودموع القهر في عيونهم بدأت تتحول لدهشة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *