حامد وقف مكانو ووشه اتغير، ملابحه تحولت من قسوة وشماتة لدهشة وشك. قرب مني بخطوات بطيئة وعيونه ضيقة وهو بيبص للتلفون اللي في إيدي، وقال بنبرة حادة فيها أثر ارتباك حاول يداريه: “تلفون إيه وتسجيلات إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي اتجننتي ولا الهوا ضب مخك من الضغط؟ توحيدة اللي بتتكلمي عنها دي شرف البيت وستك وست أبوق!”. مسكت التلفون بثبات، وضغطت على زر التشغيل.. خرج صوت توحيدة واضح ونقي، مفيش فيه مجال للشك، وهي بتتكلم بنبرة كلها مكر ودهاء مع شخص بصوت واطي: “يا إبراهيم، الورق بتاع أرض المحمودية معايا في الشنطة.. حامد المغفل فاكر إن أمه كاتباها باسمه وهو ما يعرفش إني خليت حماتي تبصم على التنازل ليا من سنتين لما كانت تعبانة.. كل شهر هنبيع قيراطين ونحط الفلوس في الحساب اللي باسمك، وهم فاكرين إن المزارعين بيسرقوا المحصول.. وحامد ده بالذات لعبة في إيدي، كلمة تجيبه وكلمة توديه، بيمشي ورايا زي الأعمى وفاكر إني بحبه وبفضله عن الباقيين وهو أهبل مش فاهم حاجة”. صوت التسجيل كان يرن في الأوضة المقفولة زي الصاعقة. وش حامد اتحول من الأصفر للأسود، عيونه برزت لبرة وجسمه بدأ يترعش بدرجة رهيبة. مسك التلفون من إيدي بغشم وكأنه محتاج يقتنع إن ده مش حلم، وقرب التلفون من ودنه وهو بيسمع المقطع التاني من المكالمة، واللي كانت بتتكلم فيه عن السواق وتحديد المواعيد اللي بتخرج فيها من البيت بحجة الشرا عشان تقابله في الشقة المفروشة في المدينة. حامد كان بينهج بصوت عالي جداً، ونظرات القوة والسيطرة اللي كانت في عيونه من دقائق وهي بتذلني قدامها اتخرقت تماماً واستبدلت بقمة الخيبة والعار. بصلي وعيونه حمرا زي الدم، وسألني بصوت مخنوق ومكسور: “التسجيل ده من إمتى يا نورة؟ وتعرفي الكلام ده من إمتى؟”. قمت وقفت بثبات وقفت قدامه ورأسي مرفوعة، وقلتله ببرود شديد: “من شهور يا حامد.. من اليوم اللي كانت بتطلب منك فيه تشيلها عشان تجيب المانجة، ومن اليوم اللي كانت بتخليك تصحيني من عز نومي أحضرلها الفطار، ومن اليوم اللي كانت بتمشي إيدها في جيبك وتسرقك وتضحك عليك قدامي وأنا ساكتة وبقول يمكن بيحبو بعض كأخوات.. كنت عارفة كل حاجة، وكنت مستنية الوقت اللي ربنا يفضحها فيه، بس إنت اخترت تظلمني وتدوس عليا وتخليني أغسل رجلين الست المجهزة اللي بتبيع عرضك وأرضك من ورا ظهرك!”. حامد مسك رأسه بإيديه الاثنين وقعد على حرف السرير وهو بيصرخ صرخة مكتومة من كتر الصدمة، كأنه واحد أخد ضربة بقاسمة على دماغه صحته من غيبوبة سنين. فضل يضرب كف بكف وهو مش مصدق إن الست اللي كان بيظلم مراته عشانها وبيستعد يطلقني عشان ويرميني في الشارع، هي نفس الست اللي خربت بيته وضحكت عليه وعلى أمه وأخواته. في اللحظة دي، سمعنا صوت عربية توحيدة وهي بتفرمل قدام البيت، وصوت ضحكتها وهي نازلة ورنة خلخالها وهي داخلة من الباب الخارجي بتبغدد ومبسوطة بعد ما خلصت مشوارها.. حامد رفع رأسه بشويش، وعيونه كان فيها شراني وغضب يكفي يهد البيت كله، وقام وقف وحط التلفون في جيبه.. بصلي بصة أخيره وقال بصوت واطي يرعب: “انزلي معايا يا نورة.. انزلي وشوفي ستك توحيدة وهي بتتغسل حسابها الليلة”. نزلت ورا حامد بخطوات هادية وثابتة، وقلبي بيدق بقوة بس مش من الخوف، من استنظار اللحظة اللي هتشوف فيها توحيدة وشها الحقيقي في المراية. حامد كان نازل على السلم زي الجبل المهدود اللي بيتجهز للانفجار، خطوته كانت بتهز البيت، وعيونه متثبتة على الباب الخارجي. كانت توحيدة داخلة الصالة بتبغدد، لابة طرحتها وبتضحك وهي شايلة أكياس كتير في إيدها، وحماتي قاعدة مستنياها على الكنبة بابتسامة وهامسة: “نورتي يا جلب أمك.. عملتي إيه في الفرح؟”. توحيدة بصت لنازلتنا على السلم وقالت بنبرة فيها استعلاء ومكر وهي بتبصلي: “أهو رجعت يا أمي.. بس شايفاه نزلك معاها ليه يا حامد؟ هي لحقت تزن في ودنك ولا إيه؟ أنا مش قتلك تخليها تحت رجلي المرة الجاية كمان عشان تتعدل؟”. حامد ما ردش، وقف في نص الصالة، ووشه كان زي القطعة الفحم المطفية. توحيدة حسيت إن فيه حاجة غلط، ضحكتها اختفت بالتدريج والأكياس وقعت من إيدها بشويش لما شافت نظرته. قربت منه وقالت بدلع محاول تداري بيه القلق: “مالك يا حامد؟ بتبصلي كده ليه يا أخويا؟ فيك إيه؟”. حامد سحب التلفون من جيبه ببطء شديد، وعيونه غارزة في عيونها، وضغط على زر التشغيل وصوت التسجيل طلع يصرخ في هدوء الصالة. أول ما طلع صوت توحيدة وهي بتتكلم عن أرض المحمودية وإزاي بتمشي حامد زي الأعمى وبتسرق المحصول وتتفق مع إبراهيم السواق على الفلوس والشقة المفروشة، المكان اتسحب منه الهواء تماماً. حماتي وقفت مرة واحدة والعكاز وقع من إيدها، ووشها أصفر زي الميتين، وبصت لتوحيدة بذهول وصدمة مش قادرة تستوعبها. سلايفي يخرجوا من الأوض بالراحة ووقفوا يتفرجوا ودموع القهر في عيونهم بدأت تتحول لدهشة. توحيدة ووشها اتخطف، الدم أتهب من عروقها، وقفت مسمرة مكانها، إيدها اترعشت وشفايفها اتجمت ومش عارفة تنطق كلمة. حاولت تتلجلج وتقول بصوت مقطوع: “إيه ده؟ ده.. ده كذب! ده صوت مش صوتي! نورة عملت بالفوتوشوب ولا التلفونات دي عشان تخرب البيت وتوقع بيني وبينك يا حامد!”. حامد قرب منها خطوة واحدة، وصوته طلع مكتوم وزي صرير الحديد: “فوتوشوب يا توحيدة؟ الأرض اللي اتقيدت باسمك بتزوير وبصمة أمي وهي غايبة عن الوعي فوتوشوب؟ السواق والشقة المفروشة فوتوشوب؟”. وفجأة، وقبل ما توحيدة تفتح بقها بتحدي أو حيلة جديدة، حامد اندفع عليها بكل القهر والغضب اللي جواها وأكلها قلم طيرها على الكنبة، وصراخها رن في أركان البيت! حماتي صرخت ولطمت على خدودها وهي بتكتشف إن البنت اللي ربتها ودلعتها على حساب ولادها كانت بتنهبهم وتبيع عرضهم. حامد مسك توحيدة من شعرها وقومها وهو بيصرخ فيها وعيونه طالع منها الشرر: “الأرض والفلوس والعرض يا توحيدة؟! أنا اللي كنت فاكرك أختي وبفضلّك على مراتي وعيلتي طلعتي بتدوسي عليا وتبيعيني؟!”. توحيدة قعدت تبكي وتترجاه وتستعطف حماتي: “الحقيني يا ماما! الحقيني يا أمي والله مظلومة!”. بس حماتي لفت وشها الناحية التانية وهي بتعيط بماء حسرة وخيبة أمل. حامد جابها لحد عندي، ورماها تحت رجلي على الأرض وقالها وهو بينهج بصوت يرعب: “زي ما قلتي لنورة تنزل تحت رجلك.. إنتي اللي هتتمنطي هنا تحت رجلها حالا وتترجيها تسامحك على كل قلم وعلى كل إهانة، وإلا وعهد الله هسحبك من شعرك على مركز الشرطة بالورق والتسجيلات دي وأرميكي في الوبشرفك في السوق!”. توحيدة كانت مرمية على الأرض تحت رجلي، بتترعش ودموعها نازلة على وشها الغرقان بالخوف والمذلة، نفس الوش اللي كان من ساعات بيبصلي بشر وشماتة ويأمرني أغسل رجلها. رفعت رأسها بكسرة وعيونها متوسلة، ومسكت في طرف جلابيتي وهي بتشهق بصوت مكسور: “سامحيني يا نورة.. وحياة عيالك سامحيني وما تخليش حامد يوديني النيابة ويحبني.. أنا غلطت في حقك وافتريت عليكي، والله العظيم مانتِ طالعة من البيت ده إلا وأنتِ ستهم كلهم.. سامحيني يا أختي!”. بصيت لها من فوق ببرود تام، مكنش جوايا أي نشوة انتقام، كان فيه بس شعور بالراحة إن الحق رجع لأصحابه وإن القناع وقع عن الوش المزيف. رفعت رجلي وبعدت جلابيتي عن إيدها وقلت بصوت هادي وثابت يرن في الصالة كلها: “أنا مش أختك يا توحيدة، ولا عمري هكون.. العفو والمغفرة عند ربنا، إنما حق إهانتي والقلم اللي انضربته ظلم قدام البيت كله، ربنا جابهولي وأنا قاعدة مكاني”. حامد قرب بجمود، سحبها من إيدها بغشم ووقفها، وبص لأمه اللي كانت قاعدة على الكنبة بتعيط بالحسرة وتضرب كف بكف على السنين اللي ضاعت في تربية ودلع واحدة سرقتهم وضيعت أرضهم. حامد بص لأمه وقال بصوت قاطع مفيش فيه رجعة: “يا أمي، توحيدة مالهاش عيش في البيت ده من الليلة.. الأرض والفلوس اللي سرقتها بالبصمة والتزوير هتترد كلها للبيت ولإخواتي بالشرع والقانون، وإبراهيم السواق والورق اللي معاها حسابه معايا ومع المباحث.. الليلة دي هتبيت في بيت المزرعة القديم مقفول عليها، وبكرة الصبح هتوصل مركز الشرطة بالورق والتسجيلات عشان تاخد جزائها”. صرخت توحيدة واستعطفت حماتي، بس حماتي لفت وشها عنها وقالت بنبرة مليانة مرارة: “يا خسارة اللقمة اللي أكلتهالك ويا خسارة الحنية اللي حرمت منها ولادي عشانك.. اطلعي برة بيتي يا توحيدة، ربنا مش بيسيب حق مظلوم”. سحبها حامد وخرج بيها برة البيت وسط صراخها وتوسلاتها اللي كانت بتضيع في عتمة الليل، وسلايفي واقفين يتنفسوا الحرية لأول مرة من سنين، وبصين لي بنظرات امتنان واحترام لأن الصبر والذكاء هما اللي نهوا كابوس توحيدة من البيت. بعد ساعة، دخل حامد البيت لوحده، كان شكله كأنه كبر عشر سنين في ساعة واحدة، مكسور من الخيانة والندم. قرب مني بخطوات بطيئة، نزل راسه في الأرض ومش قادر يحط عينه في عيني، وقال بنبرة مليانة رجاء وندم: “أنا عارف إن كلمة حقك عليا صغيرة أوي على اللي عملته فيكي يا نورة.. أنا ظنيت فيكي السوء وصدقت الباطل ومشيت ورا الشيطان، وجيت عليكي وهنتك قدام الكل.. لو عايزة تضيني أو تاخدي حقك مني أنا تحت رجلك، بس أرجوكي ما تسيبنيش ولا تمشي”. بصيت لحامد بثبات وقلتله: “القلم اللي انضربته يا حامد جرح كرامتي، وسكوتك عني لما اتهنت كان أكبر من القلم نفسه.. الأرض والفلوس رجعت لك، وتوحيدة أخدت جزاء أفعالها، بس الثقة بيني وبينك محتاجة عمل مش كلام عشان ترجع.. لو عايزني أفضل في البيت ده، يبقى بكرامتي وراسي مرفوعة، ومفيش كلمة تتقال عليا بعد النهار ده، ولا مظلمة تحصل في البيت ده وأنت ساكت عليها”. حامد مسك إيدي وباسها بنوبة بكاء وندم، وأقسم إنه يعوضني عن كل لحظة ظلم شفتها. ومن الليلة دي، اتقلبت الصفحة تماماً، خرجت توحيدة من حياتنا وشالت جزاير أفعالها في ا، ورجعت كرامتي وهيبتي في البيت، وعرفت إن الظلم مهما طال ليله، لازم ييجي يوم والشمس تطلع المستخبى وترجع الحق لأصحابه.