قهوة مرة 1

كل حاجة كانت محفوظة بعناية شديدة ومترتبة بتواريخ. والأبشع من كده، إن المقاطع دي كانت متقصقصة ومتمنتجة بحرفية مرعبة. متقصقصة بحيث إني أظهر دايما في صورة الست المجنونة، المختلة، اللي بتصرخ من غير سبب واللي مفيش حد يقدر يعيش معاها.

قعدت قدام المقاطع دي لساعات طويلة، وأنا حاسة بغثيان وقرف وكنت هأرجع. المحامي بتاعي بعد ما شاف جزء منها قالي بذهول، الراجل ده كان بيبني قضية ضخمة ضدك بقاله سنين، ده كان بيجهز لإعدامك حرفيا.

غمضت عيني للحظة ودموعي نزلت بصمت. حتى ضعفي، حتى وجعي وانهياري على ابني اللي مات، حوله لسلاح عشان يذبحني بيه.

أما ياسمين، فبدأت هي كمان تتغير وتتحول لنسخة تانية. في الأول كانت بتترعش زي الورقة كل ما حد يجيب سيرة عمر أو ينطق اسمه، بس شوية بشوية بدأت تتكلم وتخرج كل اللي جواها.

حكتلي إزاي اتعرف عليها في الشركة، وإزاي رسم عليها دور الزوج المقهور، وأوهمها إنه عايش جوازة باردة وميتة وإنه مش لاقي أي راحة ولا حب في بيته. حكتلي إزاي فضل يزن على ودانها ويقنعها إن جوازهم في السر ده فترة مؤقتة، وإنه هيعلن للدنيا كلها أول ما الظروف تهدى وتسمح.

وبعدين اعترفتلي بحاجة خلتني أحس بمرارة غريبة في حلقي ووجع ملوش وصف. قالتلي وهي باصة للأرض، أنا كنت بصدقه دايما يا سلمى… حتى في الأوقات اللي كان بيختفي فيها بالأيام ومبيردش على تليفوناتي، كنت بصدق أعذاره وحججه الكدابة.

سألتها بهدوء وأنا مستغربة، إزاي؟ إزاي عقلك مفكرش يشك فيه ولو للحظة واحدة؟

وطت راسها أكتر كأنها مكسوفة من نفسها ومن استسلامها ليه، وردت عليا بصوت مليان قهر، عشان الراجل لما بيكون أستاذ في الكلام وبيعرف يمثل كويس… بيقدر يقلب الترابيزة بمنتهى البساطة ويخلي الست هي اللي تشك في نفسها وفي عقلها بدل ما تشك فيه هو. كان بيحسسني إني أنا اللي ظالماه ومكبرة المواضيع لو بس سألته كنت فين.

سكتنا إحنا الاتنين لحظات طويلة، صمت كان أبلغ من ميت كلمة ممكن تتقال. بصيت على آدم وهو نايم جنبها في أمان ومش حاسس بالدنيا، وحسيت بحزن تقيل أوي بيعصر قلبي عشانه. طفل بريء ملوش أي ذنب، اتولد في نص كدبة كبيرة أوي ولعبة قذرة هو الخاسر الوحيد فيها.

في الأسابيع اللي جت بعد الليلة دي، عمر ماسابش طريقة إلا وحاول يجربها. لعب بكل الكروت اللي في إيده. في الأول، أنكر كل حاجة وكدب وعمل نفسه مظلوم وملاك. ولما لقى إن الأدلة كلها ضده ومفيش مفر، بدأ يهدد ويتوعد ويزعق. ولما التهديد مجابش معايا نتيجة ولقاني جبل مابيهزهوش ريح، رجع لدور المسكين اللي بيحاول يستعطفني ويحنن قلبي عليه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *