زميلاتي اتريقوا 2
مكتب ريان كان واسع وهادي، بيبص على القاهرة كلها من فوق بالواجهات الزجاجية الكبيرة. ريان كان قاعد ورا مكتبه الخشبي الفخم، قالع الجاكت وفاتح أول زرار من القميص. أول ما دخلت، قام من مكانه وابتسم: — حمد لله على السلامة، افتكرتك هتخافي ومش هتيجي.
قعدت على الكرسي المقابل ليه وأنا بفرك إيديا في بعض من التوتر: — أنا جيت عشان أسألك سؤال واحد يا ريان بيه… ليه عملت كل ده؟ ليه حطيتني في الموقف ده النهاردة؟
ريان قعد على الكرسي اللي قصادي، على نفس المستوى ومن غير أي حواجز بينهم: — أولاً بلاش بيه دي، أنا ريان اللي شرب معاكي قهوة في الشارع. ثانياً، معملتش حاجة غير إني رديت الحق لأصحابه. أنا سمعت زمايلك وهما بيتسلوا على تعبك وقلة حيلتك، وشفت في عينيكي نظرة قهر أنا عارفها كويس.
سكت شوية وبص في عيني بحنية وصدق عمري ما شفتهم في عين راجل: — أنا يا نورين مبدأتش من فوق زي ما الناس فاكرة. أنا بدأت من الصفر، اتمرمطت في المواصلات واشتغلت في عمارات تحت الإنشاء وشيلت الطوب على كتفي لحد ما ربنا كرمني. أنا عارف يعني إيه الواحد يبقى ماشي في الشارع وكرامته بتوجعه عشان مش معاه اللي مع غيره، وشفت فيكي الجدعنة اللي بجد، الست اللي تضحي براحتها عشان خاطر ابن أختها وعشان عيال غرب مش عيالها. أنتي مش ناقصك حاجة، هما اللي ناقصين أصل وتربية.
لمحة نيوز
كلامه دخل قلبي زي المية الباردة في عز الحر، حسيت بصدقه وبإن الراجل ده شايفني بجد، مش شايف قشرة المظاهر.
ومن اليوم ده، حياتي بدأت تتغير بالتدريج، خطوة خطوة، وكل خطوة كان فيها درس جديد في الاحترام والتقدير.
بدأت أمارس شغلي في الإشراف على ميزانية الأنشطة، وريان مكنش بيتدخل في قراراتي، كان بيديني المساحة والحرية كاملة، ولما كنت أحتار في حسابات أو عقود، كان يقعد معايا ويفهمني بالراحة ومن غير ما يحسسني إني مش فاهمة.
العلاقة ما بيننا كبرت في جو من الاحترام المتبادل. ريان كان راجل تقيل وراكز، مكنش من نوعية الرجالة اللي بتطارد أو تقول كلام معسول ملوش أصل. كان كل اهتمامه يظهر في أفعاله. يطمن عليا كل يوم لما أروح، يسألني على عمر ومذاكرته، ويبعتلي سواق من الشركة يوصلني ويرجعني لو اليوم اتأخر، ومكنش بيقبل إني أرفض، كان يقولي: “ده مش دلع يا نورين، دي مسؤولية وأنا مش هطمن وإنتي في الشارع في وقت متأخر”.