حماتي ولعت في البيت 1

قربت ودني من الشق

بتاع الباب، وسمعت الصوت اللي فضل سنين هو الأمان الوحيد في حياتي.. صوت طارق.
كان بيتكلم بنبرة رايقة ومرتاحة، نبرة عمره ما اتكلم بيها معايا حتى في أسعد أوقاتنا والله يا أمي الشقة بقت حاجة تانية خالص بعد ما شيلنا العفش القديم ده.. مكنتش طايق ريحتها، كان عفش كئيب زي اللي كانت قاعدة فيه.
وردت عليه حماتي بصوتها الأجش اللي فيه نبرة انتصار وسخرية قولتلك يا واد اسمع كلام أمك.. البت دي من يوم ما دخلت وهي فقر، لا عاجبها عيشة ولا بترضى بقليلها، وبتاعة مشاكل وحرقت الصلصة وعملتلي حكاية عشان تعرف أهل الحتة إننا مجوعينها. مفيش أحسن من ريهام، بنت ناس ومتربية وعيلتها مبسوطة، وهتدخل عليك بقرشين يعينوك، مش دي اللي أبوها مات ومسابش وراه غير شحاتين.
طارق ضحك وقال المهم بس الورق خلص يا أمي؟ المحامي ضبط إنذار الطاعة عشان نبعتهولها على بيت أهلها؟
حماتي ردت عيب عليك يا واد، المحامي مجهّز كل حاجة، باعت الإنذار بكره الصبح، وهي طبعًا هبلة ومعندهاش حد يروحلها محاكم ولا تفهم في القوانين، هتفضل قاعدة عند أمها لحد ما المدة تعدي وتبقى ناشز وتسقط كل حقوقها، ولا تاخد مؤخر ولا نفقة ولا حتى تاخد حتة حلة من الشقة، والعيال هما اللي هيرموهم علينا في الآخر لما ميعرفوش يصرفوا عليهم.
كنت ماسكة أكرة الباب، وضوافري بتغرز في الخشب لدرجة إنها كادت تتكسر. دموعي اللي كانت بتنزل في بيت أمي نشفت تمامًا، مفيش دمعة واحدة نزلت دلوقتي.
الحقارة وصلت للدرجة دي؟ مش بس خيانة وغدر وطرد.. ده تدبير شيطاني عشان يرموا ولادي من غير مليم ويجردوني من كل حقوقي بعد سبع سنين مرمطة؟!
كنت على وشك إني أزق الباب برجلي وأدخل أصرخ وأفضحهم وأمسك في خناق طارق قدام أمه.. بس وقفت فجأة.
عقلي في اللحظة دي اشتغل بطريقة مكنتش أعرف إنها فيا أصلًا.
لو دخلت دلوقتي.. هيحصل إيه؟ طارق هيضربني، أمه هتصرخ وتلم عليا الشارع ويقولوا دي مجنونة وجاية تتهجم علينا في بيتنا، وممكن يتصلوا بالبوليس ويعملولي محضر عدم تعرض وأخرج من المولد بلا حمص ومفيش في إيدي إثبات واحد إن طارق هنا في مصر ومزور حكاية السفر دي!
لازم أكون أذكى منهم.. اللي يدبر بمكر، ميتواجهش غير بمكر أكبر منه.
طلعت تليفوني بهدوء شديد من جيبي، وحطيته على وضع الصامت. قفلت الفلاش، ووجهت الكاميرا من شق الباب الموارب.
بدأت أسجل فيديو.
الكاميرا لقطت الصالة كلها طارق قاعد على الكنبة الجديدة، لابس ترينك رياضي ومبتسم وفي إيده كوباية شاي، وحماتي قاعدة جنبه بتفرز في ستاير وملايات جديدة، وكان فيه شنطة سفر كبيرة مفتوحة على الأرض فيها هدايا وأكياس مكتوب عليها محلات من برة مصر، وجنبها دوسيه أزرق كبير محطوط على الترابيزة ومكتوب عليه بالقلم العريض عقد بيع شقة توكيل عام رسمي.
الفيديو كان بيسجل كل كلمة طارق بيقولها عن ميعاد كتب الكتاب يوم الخميس، وعن المحامي اللي متفق معاه يزوّر إعلان الطاعة ويسلّمه على عنوان قديم لأهلي عشان ميوصلنيش وما أقدرش أعترض في الميعاد القانوني.
طارق كمل وهو بيبتسم أنا بس خايف شيماء تشم خبر وتوصل لنورا حاجة.. شيماء لسانها فالت وبتغير من ريهام.
حماتي ردت ببرود شيماء متقدرش تفتح بؤها بنص كلمة، أحمد جوزها كاسر عينها ومخليهالي زي الألف، ولو نطقت بحرف هطردها هي كمان.. البيت ده بيت عيالي ومحدش يعلّي حسه عليا فيه.
في اللحظة دي، سمعت صوت رجلين طالعة السلم من تحت!
عمال بينقلوا كرتونة تلاجة كبيرة وطالعين بيها، وصوت أنفاسهم العالية باينة من بير السلم.
لو العمال شافوني واقفة كده، هيسألوني، والباب هيتفتح، والمصيبة هتقع.
نزلت بسرعة وخفة على مشط رجلي للدور التاني، استخبيت ورا باب شقة شيماء اللي كانت مقفولة، وكتمت نفسي تمامًا لحد ما العمال طلعوا وعدوا من جنبي ودخلوا الشقة فوق، وسمعت صوت طارق وهو بيرحب بيهم ويدخل الكرتونة.
استغليت الدوشة ونزلت السلالم جري لحد ما خرجت برة العمارة كلها ووصلت لراس الشارع.
وقفت وأنا بنهج، قلبي كان بيدق بسرعة جنونية، بس مش من الخوف.. من شراسة القرار اللي خدته.
أنا مكنتش ناوية أسكت، ولا ناوية أرجع بيت أمي أعيط في حجرها واستنى إعلان الطاعة عشان أطلع ناشز.
ركبت تاكسي، وطلعت تليفوني، وفتحت التسجيل. الصورة كانت واضحة، والصوت كان نقي زي الماية، وطارق وأمه باينين في الكادر بوضوح لا يقبل الشك.
بس دي كانت خطوة واحدة بس.. التسجيل لوحده ميرجعش حقي، لازم ضربة تكسر ضهرهم وميقدروش يقوموا منها أبدًا.
الساعة كانت داخلة على حداشر ونص بالليل. أول حاجة عملتها، رنيت تاني على رقم شيماء.
الخط رن مرتين، وبعدين شيماء ردت، بس المرة دي بصوت متوتر ومخنوق ألو.. نورا؟ انتي لسه بترني ليه؟ أنا في مصيبة، أحمد جوزي شاكك إني كلمتك وعمال يبصلي بقرف!
قولتلها بنبرة هادية جدًا وباردة تخلع القلب شيماء.. اسمعيني كويس. أنا كنت واقفة فوق دلوقتي عند باب شقتي، وسمعت وشوفت كل حاجة.
شيماء شهقت يالهوي! إنتِ جيتي هنا؟ شافوكي؟
لأ.. مشافونيش، بس أنا شوفت طارق وشوفت حماتك وشوفت العفش الجديد، وسجلت كل كلمة اتقالت بالفيديو والصوت والصورة.. وسمعت كمان حماتك وهي بتقول على طردك إنتِ كمان وإن أحمد جوزك كاسر عينك.
شيماء سكتت ثانية، ونبرة الخوف في صوتها اتبدلت لغيظ مكتوم الولية دي قالت كدة؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *