حماتي ولعت في البيت 1

إيدي على الكنبة، ومحستش بنفسي غير وأنا مسنودة على الحيطة وبنهج زي الغريق اللي بيطلع في الروح.
أمي جريت عليا ورفعت التليفون، لكن الخط كان قطع خلاص. مسكتني من كتافي وهي بتضرب على صدري بخفة وبتنادي عليا برعب نورا! انطقي يا بنتي! فيكي إيه؟ طارق حصله حاجة؟ حد مات؟ ردي عليا طمنيني الله يسترها في وشك!
بصيت لأمي، لقيت صورتها مهزوزة وسط دموعي. شريط السنين كلها مر قدامي في ثانية واحدة؛ سبع سنين جواز، قضاهم طارق مسافر في الخليج، يشقى ويتعبزي ما كان بيوهمنيوأنا قاعدة خدامة لأمه في بيت العيلة، مستحملة الذل، مستحملة الإهانة، باكل بواقي لقمتهم وبمسح سلالمهم وأقول عشان خاطر جوزي اللي متغرب وطفحان الدم برة عشان نأمن مستقبل عيالنا.
كنت بقعد بالشهور استنى منه رسالة تطمني عليه، كنت باخد المصروف الميتين جنيه والأربعمية بالعافية من إيد أمه بعد ما أترجاها كأني شحاتة على باب جامع، وكل ده كان هو اللي بيأمر بيه!
طارق.. اللي بكيت في حضنه لما كان بيسافر، طارق اللي قولتله يوم مشكلتي مع أمه الحقني، فقاللي خدي العيال وروحي لأهلك يومين.. مكانش بيبعدني عشان يهدي النفوس، كان بيبعدني عشان يخلي الساحة للي هتاخد مكاني!
مسكت إيد أمي وضغطت عليها بقوة غريبة ظهرت فجأة وسط الانهيار، قولت
ونبرتي فيها كتمة غضب تكفي تحرق الدنيا محدش مات يا ماما.. بس أنا اللي كنت هتدفن بالحيا. طارق هنا في مصر.. طارق بيتجوز عليا وعايز يرميني في الشارع أنا وعياله.
أمي شهقت وحطت إيدها على بؤها يا مصيبتي السودة! طارق؟ طارق الهادي اللي ملوش في اللف والدوران؟ ده إنتِ معيشاه ملك لما بينزل، ده إنتِ بتخدمي أمه زي الجارية!
خدمتي دي هي اللي رخصتني يا ماما.. هما شافوني وحيدة وماليش ضهر وقولت أمشي جنب الحيط، فحبوا يرموني من فوق الحيط كله.
في اللحظة دي، عيالي دخلوا الأوضة. بنتي سارة، اللي عندها ست سنين، كانت بتبصلي بعيون بريئة مليانة خوف، وماسكة إيد ياسين الصغير، وقالت بصوت واطي ماما.. إنتِ بتعيطي ليه؟ هو بابا هيجي ياخدنا ولا إحنا هنفضل هنا؟ تيتا مكنتش بتخليني أنزل ألعب وقالتلي بابا هيجبلك ماما جديدة شاطرة.
الجملة نزلت على قلبي زي الرصاص. البنت الصغيرة كانت سامعة حماتي بتقول كده من قبل ما المشكلة تحصل أصلًا! يعني كانت الخطة مرسومة، والحكاية متدبرة من الألف للياء، وحرقة صلصة المكرونة كانت مجرد حجة هايفة علشان تزقني برة الباب وتخلي المشهد قدام الناس إني واحدة قليلة الأصل وسيبت بيت جوزي واتخانقت مع ست كبيرة.
مسحت دموعي بإيدي الاتنين بقسوة. لأ، البكا دلوقتي رفاهية مش
وقتها، والضعف هيدفنّي أنا وعيالي بالحيا. قومت وقفت، وبصيت لأمي وقولتلها سارة وياسين في رقبتك يا ماما.. أنا نازلة.
أمي اتخضت ومسكت دراعي نازلة تروحي فين يا مجنونة؟ هتروحي تولعي فيهم؟ هتروحي لطارق تبهدلي نفسك؟ استني لما نكلم خيلانك، نكلم حد كبير يتصدر للرجالة!
مفيش وقت يا ماما. كتب الكتاب يوم الخميس، وإحنا النهاردة الإتنين بالليل. لو روحت وجيبت ناس كبار دلوقتي هينكروا، وطارق هيختفي وأمه هتقول دول اتبلوا علينا عشان عاوزين فلوس. أنا مش هروح عشان أتخانق.. أنا هروح عشان اجيب حقي وحق عيالي، هدخل شقتي اللي بنتها بطوبة طوبة من دهبي اللي بعتهوله عشان يسافر بيه، واشوف بعيني بيعملوا إيه.
نزلت، وسبت أمي وعيالي ورايا. خرجت للشارع والهوا بارد بيخبط في وشي، بس النار اللي كانت والعة في صدري كانت كفيلة تدفي بلاد.
ركبت أول عربية رايحة على المنطقة اللي فيها بيت حماتي. الطريق كان طويل، وكل دقيقة بتعدي كانت ذكريات الإهانة بتتعاد قدام عيني يوم ما حماتي تفت في وشي قدام سارة وياسين، يوم ما بنتي نزلت جاعت ورجعت تقولي جدتي قالت مفيش أكل ليكي، يوم ما وقفت قدام مرات سلفي في المطبخ ومكنتش قادرة أقف على حيلي وذلتني عشان سندوتش جبنة ناشفة وقالتلي اكنسي السلالم الأول. كل ده مكانش
صدفة، كل ده كان كسر عيني بالتدريج عشان مقدرش أرفع راسي لما الصدمة تيجي.
وصلت الشارع بتاع البيت حوالي الساعة عشرة ونص بالليل.
الشارع كان هادي والبيوت طافية أنوارها. مشيت بالراحة جنب الحيط، وقبل ما أقرب من باب العمارة، وقفت تحت عمود النور وبصيت لفوق، على شقتي في الدور التالت.
النور كان والّع!
الستاير اللي كنت أنا منقياها على إيدي كانت مخلوعة ومحطوط مكانها ستاير تانية بلون دهبي فاقع. وعلى مدخل العمارة، كان فيه كراتين عفش وأجهزة كهربائية متغطية بمشمع بلاستيك، ومكتوب عليها أسماء ماركات جديدة كليًا.
عفشي أنا.. عفش شقتي اللي اتجوزت بيه، كان مرمي منه حاجات تحت السلم! شفت ترابيزة السفرة الصغيرة بتاعتي، مكسورة ومحطوطة تحت بير السلم فوقيها كراكيب وزبالة، كأنها خرَدة متباعة في سوق الجمعة.
جسمي كله اتنفض، وحسيت بنار بتغلي جوة راسي.
طلعت السلم خطوة ورا خطوة من غير ما أعمل صوت. كنت قالعة الشوز وماسكة المفاتيح في إيدي عشان ميسمعوش صوت كعوب أو خطوات، وكل ما كنت بطلع درجة، كنت بسمع أصوات طالعة من شقتي أنا!
صوت ضحك عالي.. صوت قهقهة طالعة من قلب شقتي.
وقفت ورا باب الشقة، الباب مكنش مقفول بالمفتاح، كان موارب بحوالي سنتي واحد بس عشان العمال اللي بيطلعوا كراتين أو حاجات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *