الليلة مرت والبيت كله كأنه قايد نار تحت الرماد. أخواتي وأولاد عمي نزلوا قعدوا في مدخل البيت تحت، ماليين المكان بهيبتهم وشومهم وسلاحهم، وصوت ضحكهم وكلامهم مسمّع في حارة عيلة أبو فاروق كلها. محدش من الد… الليلة مرت والبيت كله كأنه قايد نار تحت الرماد. أخواتي وأولاد عمي نزلوا قعدوا في مدخل البيت تحت، ماليين المكان بهيبتهم وشومهم وسلاحهم، وصوت ضحكهم وكلامهم مسمّع في حارة عيلة أبو فاروق كلها. محدش من الدور الأرضي قدر يورّي وشه بره عتبة شقته، ولا حتى حماتي فوزية قدرت تفتح بوقها بكلمة ردح، الكل انكمش وعرفوا إن اللعب مع بنت الأصول وراها عيلة تقطم الرقبة. أنا قعدت في شقتي فوق، نظفت أثر المعركة وغسلت الدم من الأرض، وفرشت مِلّة سرير تانية مكان اللي اتكسرت. مريم بنتي كانت نايمة في حضني بأمان لأول مرة من أسبوعين، دقات قلبها هديت وهي عارفة إن خوالها بره حاميين ضهرها. كنت قاعدة باصة للتليفون ومستنية.. مستنية رد فعل محمود بعد السواد اللي حصل. على الفجر، تليفوني رن. كان محمود برضه. فتحت الخط من غير ما أتكلم، سبته هو اللي ينطق. صوته المرة دي كان متغير ١٨٠ درجة؛ مكنش فيه العصبية ولا الغضب بتاع المرة اللي فاتت، صوته كان مليان انكسار وصدمة بعد ما أعمامه والجيران اتصلوا بيه وحكوا له الحقيقة كاملة.. حكوا له إن أخوه وأمه كسروا باب شقتي وهجموا عليا بـ غل. محمود قال بصوت حزين ومخلوط بالدموع: «أنا آسف يا بنت الناس.. أنا قفلت السكة في وشك المرة اللي فاتت لأني مكنتش متخيل إن أمي وأخويا يوصلوا للندالة دي! الجيران حكوا لي كُل حاجة.. حكوا لي إن فاروق مد إيده عليكي في غيابي وأمي ضربتك بالعصاية. أنا بريء من اللي عملوه ده، وكبرتي في نظري لمّا خدتي حقك وحق بنتك بإيدك ومستنيتيش حد يحميكي.» بلعت ريقي وقلتله بنبرة حاسمة وقوية: «كلامك ده على راسي يا محمود، بس الاعتذار مش هيصلح الباب اللي اتكسر ولا الدموع اللي بنتك نزلتها من الخوف. أخواتي وأولاد عمي نايمين في مدخل بيتك تحت، والحق اللّي هيتاخد دلوقتي مش حقي أنا لوحدي.. ده حق عيلتي اللي اتكسرت حرمة بنتهم في غياب جوزها.» محمود رد بسرعة وخوف: «أنا نازل مصر يا خيتي.. أنا حجزت على أول طيارة وخلال ساعات هكون عندك في Assiut. أرجوكي قولي لأخواتك يستنوني ومحدش يعمل حاجة لغاية ما آجي، واللّي هتقولي عليه هيمشي، لو عايزة بيت لوحدك هعملهولك، بس بلاش الدم يوصل للركب بين أخواتك وأخويا. » قفلت السكة مع محمود، ونزلت على السلم لأخواتي تحت، بلغتهم إن محمود على وصول وراجع من السفر. أحمد أخويا الكبير وقف وعدل عمامته وقال وعينه بتلمع بشرر: «يوصل بالسلامة يا خيتي، جوزك على راسنا من فوق وهو راجل شقيان ومالوش ذنب في قلة أصل أهله. بس برضه، البيت ده لازم يتأدب، وإحنا مش هنمشي من هنا إلا ولمّا عيلة أبو فاروق كلها تقف في وسط الحارة وتعتذر ليكي ولبنتك، ويردوا اعتبارنا قدام البلد كلها، وإلا قسمًا بالله العظيم نهد البيت ده على اللي فيه!» النهار بدأ يشقشق، والشمس طلعت على بيت عيلة أبو فاروق وهو محاصر برجالة الصعيد. عبير كانت بتطل من ورا الشيش وعينيها ورمة ومقفولة من كتر الخربشة، وحماتي فوزية قاعدة جوه صالتها حاطة شاش على وشها المفروم من العض وبتدعي في سرها إن الأزمة دي تعدي على خير، وفاروق رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض وقاعد زي الحريم مش قادر ينطق بكلمة وخايف من لحظة وصول أخوه محمود، ولحظة الحساب الكبيرة اللي جاية في الطريق. . الجزء السابع: العربيات الربع نقل كانت لسه واقفة بره، ورجالة عيلتي ماليين الشارع ومدخل البيت، الشوم مسنود على الحيطان والنار اللي قايدة في الصدور مبردتش. مع دقات الساعة تنشر الظهر، ظهرت عربية تاكسي من أول الحارة، وقفت و نزل منها محمود.. هدومه مبهدلة من كتر شقى السفر وعلامات الغُربة والهم مغطية وشه، وفي إيده الشنطة بتاعته. أول ما شاف أخواتي وأولاد عمي واقفين بطولهم، رمى الشنطة من إيده وجري عليهم، سلّم على أحمد ومصطفى وباس رأس ابن عمي الكبير خلف وهو بيقول بنَفَس مقطوع: «حقكم عليا. . دمي ولحمي غلطوا في غيبتي، والبيت بيتكوا، وأنا بريء من كُل اللي حصل الليلة اللي فاتت.» أحمد مسكه من كتفه وقاله بصوت ناشف: «ادخل شوف بنتك ومرتك الأول يا محمود، وبعدها الحساب يجمع.» محمود طلع السلم تالت خطوة، أول ما دخل الشقة وشاف الباب المخلوع والحيطان اللي لسه معلم فيها ضرب مِلّة السرير، وعيني الورمة ومريم بنتي اللي وشها متجرح، الدموع نزلت من عينيه. أخد بنته في حضنه وبقى يبوس إيدها ورأسها وهو بيعتذر لي ويقول: «والله ما كنت أعرف إنهم بالحقد ده كله، كتر خيرك إنك وقفتي راجل في غيابي. » في اللحظة دي، حماتي فوزية وعبير سيلفتي كانوا بيسمعوا من ورا الباب تحت.. الرعب كان واكل قلوبهم. عبير كانت واقفة ورا الشيش وجسمها كله بيترعش، دراعها ووركها معلم فيهم العض وزرقان، ووشها مخربش، ولمّا شافت منظر رجالة الصعيد بره ومحمود اللي دخل وعيونه بتطق شرار، حطت إيدها على بوقها وقالت لحماتي بصوت بيترعش من الخوف: «يا ليلتنا السودة يا حاجة فوزية! محمود وصل والكلاب اللّي بره دول مش هيمشوا إلا بدمنا! دي الغولة مسبتش حتة فيا سليمة، وأخوكي فاروق دماغه مفتوحة تمن غرز.. هنعمل إيه لو محمود قلب علينا؟ » حماتي فوزية اللي كانت دايماً بتردح وتطوح بإيديها، كانت قاعدة على الكنبة زي الفرخة المبلولة، حاطة لزقة طبية كبيرة على خذها مكان العضة اللّي هرت لحمها، وصوتها مكنش طالع. بصت لعبير بقلة حيلة وقالتلها: «اسكتي يا بت واكتمي نَفَسك! البت طلعت مش سهلة ووراها سباع بتاكل اللحم! أنا كُنت فاكراها حتة عيلة هنكسر عينها بكلمتين، طلعت غولة وعضاضة وكسرت عضمنا بمِلّة السرير.. داري وشك المخروم ده لغاية ما نشوف الواد محمود هيعمل إيه مع أخوه.» فاروق كان قاعد جنبهم رأسه ملفوفة بالشاش الأبيض، وعينه الشمال مقفولة وورمة من كتر الضرب، باصص في الأرض ومش قادر ينطق بكلمة، هيبته كراجل اتكسرت قدام الجيران والبلد كلها بعد ما انضرب بالخشب واتفتحت رأسه بالكوباية. فجأة، الشارع كله اتهز على صوت زعيق محمود وهو نازل من على السلم زي العاصفة، وصوته بيجر الحارة كلها وراه: «انزل يا فاروق! اطلعي يا أم فاروق! الليلة دي حساب القديم والجديد هيتصفى، واللّي مد إيده على أمانتي في غيبتي ملوش قعاد في البيت ده ثانية واحدة!» عبير أول ما سمعت صوت محمود وزعيقه، جِريت استخبت ورا الدولاب في أوضتها وقفلت على نفسها من كتر الرعب، وحماتي فوزية لمت شالها على وشها المفروم وهي بتترعش ومش عارفة تخرج تواجه إزاي البنت اللّي كانت بتستوطى حيطتها، وبقت دلوقتي هي وأهلها هما كابوس البيت كله.. لجزء الثامن: خرج محمود في وسط الحوش الكبير بتاع البيت، وصوته كان بيهز الجدران، ووراه أخواتي وأولاد عمي نازلين بثقلهم وشومهم في إيديهم. الجيران كلهم وقفوا في البلكونات والشبابيك يتابعوا اللحظة دي. الح… الجزء الثامن: خرج محمود في وسط الحوش الكبير بتاع البيت، وصوته كان بيهز الجدران، ووراه أخواتي وأولاد عمي نازلين بثقلهم وشومهم في إيديهم. الجيران كلهم وقفوا في البلكونات والشبابيك يتابعوا اللحظة دي. الحاج عبد الستار، عم محمود الكبير، دخل في وسط الحوش ورفع إيده وقال بصوت جهوري: «استهدى بالله يا محمود، واقعدوا يا رجالة. . إحنا عيلة واحدة والدم ميبقاش مية، والصلح خير بس بشرط، الأصول تاخد مجراها وبنت الناس يترد لها اعتبارها قدام الحارة كلها.» أحمد أخويا الكبير بص لمحمود وقاله بحسم: «إحنا وافقنا نقعد للصلح كرامة ليك ولشقاك يا محمود، لأنك راجل صنت الأصول، لكن أهل بيتك لازم يعرفوا إن الله حق.» نزلت حماتي فوزية من شقتها خطوة بخطوة، شالها مغطي نص وشها المفروم من العضة، وعين مكسورة لأول مرة في حياتها. ووراها خرج فاروق وهو ساند على كتف عمه ورأسه الملفوفة بالشاش الأبيض باصة في الأرض، وعبير سيلفتي واقفة وراهم عند عتبة الباب، ميتة في جلدها من الرعب، كتافها مفرودة اللي كانت بتتباها بيها اتهدت، ووشها كله لزق وخربشة. أنا نزلت ووقفت في وسط الحوش، عيني قوية، رافعة راسي، ومريم بنتي ماسكة في جلبابي. بصيت لهم كلهم والنظرة اللي في عيني خلت عبير ترجع خطوة لورا وتستخبى ورا كتف حماتها. قعد كبار العيلتين، ومحمود وقف ووشه حزين وقال: «أنا قدام أعمامي وأخوات مراتي، بقولها هدمة عبير وفاروق اللّي اتقطعت والدم اللّي نزف منهم ده حق بنتي ومراتي اللّي اتهانت في غيابي، والصلح مش هيتم إلا بشروط مراتي.» أنا مشيت خطوتين ووقفت في النص، وبصيت لحماتي وعبير وفاروق، وقلت بصوت حاد وقوي سمّع الحارة كلها: «اسمعوا وعوا الكلام ده كويس عشان مش هعيده تاني.. أنا من ساعة ما دخلت البيت ده عروسة وأنا شايلاكم فوق راسي، وبحترم الكبير والصغير، وبخدمكم بعيونيا، وانتوا افتكرتوا احترامي ليكم خيبة وقلة حيلة! استوطيتوا حيطتي لمّا جوزي سافر، وضربتوا بنتي اللّي عندها أربع سنين مرتين لغاية ما دمها سال، وكسرتوا باب شقتي عليا!» التفتّ لعبير وحماتي بالذات، وشاورت بصباعي في وشهم وقلت بنبرة خلت جسمهم يقشعر: «من هنا ورايح، الأصول هتمشي على الكبير والصغير. فيه احترام.. هحطكم فوق راسي وأشيلكم في عيوني زي الأول وأكتر. مفيش احترام، وقسماً بالله العظيم لأكلكم بأسنانى، والمرة دي أنا أكلت حتة من دراعك ووركك يا عبير وفرمت خدك يا حاجة فوزية، المرة الجاية مش هسيب فيكم حتة سليمة ومِلّة السرير لسه موجودة والشقة ليها مئة باب وباب! » عبير بلعت ريقها برعب وهزت رأسها بسرعة من غير ما تنطق، وحماتي فوزية حطت إيدها على خدها المفروم وقالت بصوت واطي ومكسور: «خلاص يا بنتي.. حقك علينا، والبت مريم من هنا ورايح في عيوننا ومحدش هيقدر يمس طرفها، إحنا أهل برضه والمسامح كريم.» فاروق بص لأخواتي وقال بصوت مخنوق: «حقكم عليا يا رجالة، الشيطان دخل بينا والصلح خير، ومحمود أخويا الكبير والبيت بيته.» الحاج عبد الستار قام وقف وقال: «على بركة الله، نفتح صفحة جديدة، وفاروق وهيصلح باب شقة أخوه ويرد اعتبار مراته بـ دبيحة تتذبح على عتبة البيت والكل ياكل منها، وبنت الأصول حقها وصلها. » أخواتي وأولاد عمي سلموا على محمود وأعمامه، وأحمد أخويا طبطب على كتفي وقالي: «رفعنا راسنا بيكي يا خيتي، والبيت ده خلاص بقيتِ سِتّه.» لكن وأنا طالعة السلم ورافعة راسي، ولمحت النظرة المخفية في عين عبير وهي بتبص لحماتي، عرفت إن الصلح ده مجرد هُدنة، وإن النفوس الشايلة مش بتصفى في يوم وليلة.. واللّي جاي لسه فيه كلام تاني. حكايات رومانى مكرم تابعو صفحه رومانى مكرم تابعو الجزء التاسع (قبل الأخير): مرت الأيام بعد قعدة الصلح الكبيرة، والبيت هدي تماماً، بس الهداوة المرة دي مكنتش خوف ورعب وبس، كانت بداية لـ نبتة جديدة من المحبة والندم الحقيقي. الكبار لما مشيوا، والباب الجديد لشقفتي ركب، وفاروق دبح الذبيحة وفّق شروط الصلح ووزعها على الغلابة وبأيده طلع لينا نصيبنا لغاية فوق، النفوس بدأت تلين، والدم الحامي بدأ يبرد ويفوق لأصله. في يوم، كُنت قاعدة في شقتي بحضر عشا خفيف لمحمود اللي قعد معايا أسبوعين أجازة عشان يطمن علينا قبل ما يسافر تاني. سمِعت خبطة خفيفة وودية جداً على الباب، خبطة مفيهاش الرعب بتاع زمان. فتحت الباب، لقيت عبير واقفة، وشها لسه فيه علامات خفيفة بس عينيها كانت مليانة كسوف وندم. كانت شايلة في إيدها صينية عليها فطير مشلتت سخن وعسل ونحل، وبصت في الأرض وقالت بصوت واطي ومخنوق بالدموع: * «تسمحي لي أدخل يا أم مريم؟» وسعت لها الباب ودخلت. عبير حطت الصينية على الطربيزة، وفجأة لفت ومسكت إيديا والدموع نزلت على خدها وقالت: * «والله العظيم أنا ندمانة يا خيتي.. الشيطان عَمى عيني، والغيرة والحقد كانوا ماليين قلبي عشان محمود ربنا كارمه بره. أنا كُنت قاسية على البت مريم وهي ملهاش ذنب، ولمّا جيتي خدي حقك مني، أنا استاهل كُل اللي جرى لي. . بس وحياة غلاوة محمود عندك سامحيني، أنا مش عايزة نعيش في نكد وخوف من بعض، إحنا ملناش غير بعض في البيت ده لما الرجالة بتغيب.» أنا قلبي رق، وبصيت في عينيها لقيت الندم صادق مفيش فيه لؤم. مسحت دموعها وقلت لها: * «أنا قلبي مش أسود يا عبير، وأنا قولتلك زمان أنا دخلت البيت ده بالمعروف وبحبكم. . إنتي خيتي الكبيرة، وعفا الله عما سلف، والمسامح كريم.» في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت حماتي فوزية، كانت شايلة في إيدها غوايش دهب صغيرة، ولمّا شافت إيدنا في إيد بعض، وشها انفرج بضحكة وفرحة حقيقية. قربت من مريم بنتي، وشالتها على حجرها وبستها وبقت تبكي وتقول: * «سامحيني يا فلفلة البيت.. سامحيني يا أم مريم يا بنتي، أنا اللي كُنت حامية وقاسية، بس لمّا شوفتك واقفة تدافعي عن ضناكي بالغل ده، عرفت إنك بنت أصول وصاينة عرضك وضناكي في غياب جوزك. الغوايش دي لمريم حبيبة ستي، والبيت ده من غير مَحبتنا لبعض ميسواش بصلة.» قُمت وحضنت حماتي، وعبير حطت إيدها علينا، والضحكة رجعت لبيت عيلة أبو فاروق بس المرة دي ضحكة صافية طالعة من القلوب. محمود دخل الصالة وشافنا متجمعين وبنضحك والدموع في عيوننا، وشه نَوّر وفرحته مكنتش سايعاه وهو شايف مراته وأمه وأخوه وعيلته بقوا إيد واحدة بجد، والمحبة ملأت الأركان بعد كُل السواد اللّي فات. لكن محمود كان لسه شايل في قلبه خطوة أخيرة ومفاجأة كبيرة هيقلب بيها موازين البيت كله في الجزء الأخير. . الجزء العاشر والأخير: قبل سفر محمود بيومين، لم العيلة كلها في شقة حماتي تحت؛ أنا ومريم، وفاروق وعبير وحماتي فوزية. قعدنا كلنا حوالين طربيزة واحدة بنشرب الشاي وبنضحك، وعبير كانت بتأكل مريم بـ إيدها وبتدلعها، والود والمحبة ماليين المكان كأن النّار اللي قادت زمان مكنتش غير كابوس وفوقنا منه. محمود حط كباية الشاي، وبص لنا كُلنا وقال بابتسامة صافية: * «يا جماعة، أنا شقيت في الغربة سنين، ومكنتش بشيل هم الشقى طول ما أنا عارف إن ظهري محمي وأهلي صاينين بيتي وعرضي. الأزمة اللي عدت دي، رغم قسوتها، عرفتني كنز غالي.. عرفتني إن مراتي بنت أصول وبمية راجل وتعرف تصون بيتها وبنتها، وعرفتني إن أمي وأخويا وسلفتي لما بيفوقوا لأصلهم، مفيش أحن منهم. » طلع محمود من جيبه مغلفين كبار، حط الأول قدام فاروق وعبير وقالهم: * «ده قرشين يا فاروق إنت وعبير، عشان توسع تجارتك في الدكان، وعشان عبير تجيب اللي كان نفسها فيه.. البيت ده واحد، وخيرنا لبعض.» وبعدين لف وبصلي أنا، وحط المغلف التاني في إيدي وقال وعينه بتلمع بالفخر: * «وده يا أم مريم، مقدم شقة ملك لينا باسمك وباسم بنتك في وسط البلد هنا في Assiut. . مش عشان تبعدي عن أهلنا، لأ.. إحنا عمرنا ما هنستغنى عن بيت العيلة ولمّته، بس عشان يبقالك سكنك الخاص اللّي تملكي فيه حريتك، وتنزلي هنا لستي ولعمتك عبير في الأعياد والمواسم حبايب وأعز أصحاب.» حماتي فوزية دمعت وقامت حطت إيدها على راسي وقالت: * «تستاهل.. تستاهل بنت الأصول، ومبروك عليكي يا بنتي، والبيت بيتك في أي وقت، مطرحك في قلوبنا خلاص اتغمر بالمحبة.» وعبير قامت حضنتني وهي بتبكي وبتقول: «ألف مبروك يا خيتي، والله هتوحشينا بس إحنا جيران وأهل واللّي بينا مابقاش يقطعه شيء.» ### الحكمة من حكايات رومانى مكرم > **إن الكرامة والضنا خط أحمر، والأصول لا تتجزأ.** > الصمت في المرة الأولى ليس ضعيفاً، بل هو “حكمة وتغاضٍ” لإبقاء حبال الود وحماية لقمة العيش الشقية في الغربة. ولكن.. إذا عُدم الاحترام، وتجرأ القريب قبل الغريب على كسر الحُرمات وإهانة الضنا، يصبح الرد الحازم فرضاً، وتتحول حُرية بنت الأصول إلى قسوة أسد يدافع عن عرينه. > والبيت اللّي بيتبني على “استعراض القوة” في غياب الراجل، بيتهد فوق دماغ أصحابه.. والصلح الحقيقي مش بيعيش بالخوف، لكن بيعيش لما كُل واحد يعرف مقامه وحدوده، ويقفل بابه على مَحبة واحترام، لأن الندم الصادق هو اللّي بيغسل القلوب، ومحبة الأهل الحقيقية هي اللّي بتدوم في الآخر. > تمت بحمد الله.