كنت راجعة البيت 1

وصلت المركز الثقافي، المقابلة مرت بسلاسة وشغف. اللجنة كانت انبهرت بالطرح اللي قدمته لرسالتي، باللغة النظيفة، وبالثبات اللي بتكلم بيه. خرجت من هناك بعد ساعتين وأنا ماسكة في إيدي إفادة القبول المبدئي للتمويل.. ورقة صغيرة، بس كانت بالنسبالي رد اعتبار وقلم شديد على وش أي حد فكر يقلل مني.

رجعت البيت على الساعة سبعة بالليل. أول ما حطيت المفتاح في الباب وفتحته، لقيت الهدوء لافف الشقة، بس ريحة التوتر كانت مالية المكان.

سعاد مرات عمي كانت قاعد على السفرة، قدامها طبق بسلة ما اتلمسش، وأول ما سمعت صوت الباب قامت وقفت بلهفة. ومعتز كان قاعد في الصالة، فاتح لابتوبه وبيعمل نفسه مشغول، بس عينيه راحت عليّ فوراً أول ما رحت ناحية الصالة.

– حمد لله على السلامة يا فرح يا حبيبتي! عملتي إيه يارب تكوني جبرتي خاطري بالأخبار الحلوة؟

سعاد قالتها وهي بتضم إيدي بين إيديها بحنان صادق.

ابتسمت لها ورصيت الأوراق على الترابيزة بهدوء، وركزت صوتي عشان يوصل للـ “دكتور” اللي قاعد ورا لابتوبه وبيسمع بتركيز تام:

– الحمد لله يا بابا سعاد.. المقابلة كانت ممتازة، وأخذت القبول المبدئي لمنحة الماجستير في الألسن، والتمويل الكامل نزل لي خلاص.

مرات عمي زغردت بصوت واطي من الفرحة وضمتني لصدرها:

– الف مبروك يا بنتي! يسعد قلبك زي ما رفعتي رأسي ورأس أباكي الله يرحمه!

في اللحظة دي، معتز قفل اللابتوب بتاعه بصوت عالي شوية، وقام وقف. ملامحه كانت متلخبطة بين الصدمة، والإحراج، والتحدي اللي بيحاول يداري بيه كسرة كبريائه.

قرب من السفرة، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة بيحاول يخليها هادية وساخرة بس كان واضح فيها الارتباك:

– ماجستير في الألسن؟ ما شاء الله.. طب وكويس والله، بس غريبة يعني.. اللي أعرفه إن اللغات محتاجة ممارسة وعيشة في جو معين، مش مجرد شهادة بناخدها من كليات الأقاليم وخلاص.

نزلت شنطتي على الكرسي، وبصيت له في عينه مباشرة من غير ما أرمش. الابتسامة الباردة اللي على وشي كانت أشد من أي شتيمة:

– كليات الأقاليم اللي بتتكلم عنها دي يا دكتور معتز، هي اللي خرجت قامات وعقول العلم في مصر كله. وبعدين اللغة مش مجرد ممارسة في الكافيهات مع زمايلك.. اللغة دي عقل وفكر وثقافة. وعلى العموم، لو حابب تراجع معايا المراجع التخصصية بال ألماني أو الإنجليزي في أي وقت.. أنا تحت أمره، يمكن تستفيد حاجة تنفعك في شغلك في إسكندرية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *