لقيت بنتي 3

بالأمس، وقفت داليا أمام عمارة الزمالك القديمة. العمارة ذات الطابع الأوروبي الأنيق والهدوء الساحر. صعدت الدور الثالث، ووقفت أمام الباب الخشبي العريض وهي ترتجف. خبطت بكل قوتها، وكانت تتمنى أن أفتح لها الباب، أن ترتمي في حضني كما كانت تفعل وهي طفلة، وأن أقول لها “معلش يا داليا.. حصل خير”.

لكن الباب لم يفتح.

خرج لها عماد المحامي من الشقة المجاورة، وبص لها بنظرة هادئة وصارمة:

— الأستاذة سعاد مش هتقابلك يا داليا.

— عماد! أرجوك خليني أشوفها! دي أمي! إحنا بنضيع! شريف اتطرد من شغله والبنك هيسحب العربية والمحكمة هترمينا في الشارع! قولها سامحيني.. أنا آسفة يا أمي!

عماد وقف بثبات وقال بصوت خفيض:

— الأسف ده كان ينفع لما كانت واقفة جنبك في السوبر ماركت، وبتقولك علاجها أهم من الأكل الغالي، وإنتِ قلتي لها ده أقل واجب عشان عايشة معانا. الأسف كان ينفع لما حشرتي سريرها جنب حيطة الرطوبة، واستكترتي عليها أوضة تلم فيها كبرها. والدتك مش زعلانة منك يا داليا.. والدتك استوعبت الحقيقة بس. ولما الأم بتستوعب إن وجودها بقى عبء وسبوبة.. بتنسحب للأبد.

— أنا مستعدة أرجع كل حاجة! الفلوس والبيت وأعملها اللي هي عايزاه!

عماد ابتسم ابتسامة باهتة:

— الفلوس والقانون بياخدوا مجراهم خلاص. والدتك تنازلت عن أي مطالب شخصية منكم، بس حقها المالي والعقاري هيتاخد بالقانون لحد آخر مليم. ارجعي يا داليا.. وجهزي نفسك للإخلاء.

داليا رجعت يومها وهي مش حاسة برجليها. والنهاردة، كان يوم الحساب الحقيقي.

في شقة الزمالك، كنت أقعد في الصالون الهادئ. شباك البلكونة المفتوح كان يدخل نسيم الأغسطس العليل. كنت أرتدي فستاناً بسيطاً وأنيقاً من ثيابي القديمة التي استعدتها من المخزن، وأمامي كوب الشاي المفضل وبعض القطع من الكعك الدافي.

عماد كان يراجع معي الملفات الأخيرة:

— طنط سعاد.. الشركة الخاصة بشريف أرسلت طلب استفسار رسمي للمحكمة يسألون فيه عن صحة التقارير المالية للسنوات الأربع الماضية. وطبعاً التحقيق أثبت إن كل التقارير الممتازة اللي أخد عليها مكافآت كانت بخط يدك وبملاحظاتك الحسابية، وده أثبت رسمياً أمام إدارة الشركة إن شريف كان غير كفء كلياً، وتم تثبيت قرار طرده النهائي مع حرمانه من مكافأة نهاية الخدمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *