صاحبي 2
ضربات قلب محمود تسارعت، وجفت شفتاه. كان بإمكانه أن يلتف ويرجع من حيث جاء، لكن شيئاً ما في داخله -ربما كان الحاجة إلى إغلاق هذه الصفحة للأبد- دفعه إلى الأمام.
سار محمود بخطوات بطيئة، حتى أصبح على بعد أمتار منهما. ندى كانت أول من لاحظ وجوده؛ توقفت عن الكلام، ونظرت إليه. لم تكن في عينيها نبرة خوف أو رعب كما كان في الماضي، ولا حتى نبرة كره.. كانت نظرة شفقة وسلام، نظرة امرأة تجاوزت الماضي تماماً ولم يعد يعني لها شيئاً.
التفت إبراهيم ليرى ما الذي جعل ندى تتوقف، فالتقت عيناه بعيني محمود.
لحظة صمت ثقيلة سادت المكان، أثقل من تلك التي حدثت عبر التليفون قبل سنوات. محمود وقف عاجزاً، ينظر إلى صاحبه القديم، ودون أن يشعر، اتسعت عيناه بالدموع.
قرب محمود منهما خطوة واحدة، وصوته خرج مبحوحاً ومكسوراً:
— إبراهيم.. ندى.. أنا مش جاي أضايقكم، ولا جاي أطلب إن اللي يتصلح.. أنا بس.. كنت محتاج أقولكم إني آسف. آسف على كل لحظة وجع سببتها لكم، آسف يا إبراهيم إن جتك من أكتر واحد وثقت فيه. أنا اتعاقبت، والعقاب الحقيقي كان إني عشت السنين دي كلها بعيد عن ربنا وعن نفسي.. أنا بس اتمنيت تشوفوني وأنا بني آدم تاني.
إبراهيم بص له بتمعن، ينظر إلى وجه محمود الذي ظهرت عليه خطوط التعب والندم، وإلى هيئته المنكسرة. النظرة النارية والغضب الذي كان في عين إبراهيم يوم لم يعد موجوداً، حل محله نضج ورضا.
نظر إبراهيم إلى زوجته ندى، فهزت رأسها له بهدوء كأنها تفوضه في المسامحة.
رجع إبراهيم بنظره لمحمود، وقال بصوت هادئ ورزين:
— اللي فات مات يا محمود.. الدنيا دارت، وكل واحد فينا أخد نصيبه والدرس اللي يستحقه. أنا نسيت الوجع، وندى سامحت من زمان لأن ربنا عوضها وعوضني بالخير. أنا مش شايل منك كره، بس الطرق لما بتتفارق، صعب ترجع تاني زي الأول. أدعو لك ربنا يهديك ويغفر لك، وتبدأ حياتك بجد بعيد عن الأوهام.
عدّل إبراهيم طفلته على كتفه، ثم أخذ بيد ندى، ومشيا في طريقهما هادئين، دون أن يلتفتا للخلف.
وقف محمود في منتصف الشارع، يراقب أثرهما وهما يبتعدان تحت المطر الخفيف. شعر بحمل ثقيل يزول عن صدره، وحرارة الدموع تنظف قلبه من الداخل.
كانت هذه هي النهاية الحقيقية؛ ليست انتقاماً ولا دراما سينمائية، بل كانت النهاية التي يتعلم فيها الخائن أن الكبرياء المريض يدمّر صاحبه، وأن الشجاعة والصراحة هما طوق النجاة، وأن المسامحة هي أكبر عقاب لضمير استيقظ بعد فوات الأوان.