كل مااعمل لقمة
مشيت طنط سعاد ناحيتنا بخطوات هادية وثابتة، وحطت علبة الملح الصغيره على الترابيزة في وسط الصالة قدامنا، وابتسمت ابتسامة هادية جداً مليانة دفا وذكاء.
بصت لمصطفى، وبعدين بصتلي في عيني، وقالت بصوت دافي ومبحوح من التأثر:
“أنا عارفة إنكم عرفتم يا أولادي.. وعارفة إنكم شفتم التسجيل، وقريتم الأجندة القديمة.”
أنا ومصطفى اتسمرنا مكاننا، ودموعنا نزلت في ثانية! مصطفى مسك إيد أمه وباسها بلهفة: “يا أمي.. إحنا أسفين، إحنا اللي قصرنا في حقك وخليناكي تحسي بالوحدة والوجع ده كله.”
طبطبت طنط على رأس مصطفى وحضنتني بإيدها التانية وقالت:
“ما تتأسفوش يا حبايب قلبي.. أنتم ما قصرتوش، أنتم كنتم فاكرين إن الراحة في السكون والشقة النضيفة. بس الست الكبيرة يا بنتي لما بتكبر، مش بتبقى محتاجة يرتاح جسمها على أد ما محتاجة يحس قلبها إن ليها لازمة.. إن دورها في الدنيا مخلصش، وإن ليها قيمة و’حِس’ في البيت.”
وبعدين مسكت علبة الملح من على الترابيزة، وفتحت الشباك بالراحة، ورمت الملح منها، وبصت للبيت وهو مليان بريحة الأكل والضحكة واللمة وقالت:
“خلاص.. الملح ده كان الاستغاثة بتاعتي يوم ما كنت خايفة أكون نسيان على الرف. دلوقتي أنا مش محتاجة أقول ‘الأكل مالح’ عشان تتلموا حواليا.. أنتم بقيتم حوليّ بقلوبكم وبحبكم، والأكل بقى مظبوط بالسُّكر والرضا.”
ضمينا بعض إحنا التلاتة في لحظة حب صافية، وحسيت إن البيت بقى أخيرًا مليان روح حقيقية.. روح ما بتتمحيش.
### 💡 الحكمة من القصة:
البارّ بأهله مش بس اللي بياكلهم ويشربهم ويحطهم في أحسن البيوت.. **البرّ الحقيقي هو إنك تحسس كبار السن إنهم لسه “سند وبركة”، ومش مجرد ضيوف مستنيين نهاية العمر.**
الكبار في السن ما بيقتلهمش المرض ولا التعب.. **بيقتلهم الشعور بـ “قلة الحيلة” والتهميش والوحدة.**
اسمعوهم، شاركوهم تفاصيل حياتكم، خلوهم يحسوا إن رأيهم ولئمتهم ودعواتهم هي اللي ماشية البيت.. عشان اللقمة لما تتاكل بحُب ولمة، بيبقى طعمها “سُكر”.. حتى لو كانت من غير ملح خالص!
