بيت ابني 2
لميت هدومنا ونادين وبنتي الصغيرة وشنطنا، وخرجنا من باب الشقة ونفسنا مكسور. نزلت السلم ورجلي بالعافية شايلاني، ونادين ماشية ورايا بتعيط وبتبص للهدوم اللي في إيدها بندم، وأخوها الصغير ساكت بيبص للأرض مش فاهم إزاي الشجرة اللي كبرتها تسقيني العلقم في لحظة!
أول ما عتبنا باب الشارع، حسيت بتُقل في صدري.. الهيبة اللي بنيتها، والمسطرة اللي كنت حاطاها وممشية البيت كله عليها، اتكسرت مية حتة وعلى إيد مين؟ إبراهيم! نادين شهقت بالبكاء وقالت لي وهي بتشد في دراعي:
ـ “شفتي يا ماما؟ شفتي إبراهيم بيعمل إيه علشان خاطرها؟ طردنا ورجعنا شقتنا بشنطنا وزمان أهلها بيضحكوا علينا دلوقتي!”
بصيت لها بنظرة وقلت لها بصوت مخنوق من الكسرة والغضب:
ـ “اسكتي خالص يا نادين! ما هو لولا طمعك ودخولك الدولاب وتضييق الهدوم ما كانتش العروسة لقت مدخل ولا كانت الجسارة دخلت قلبها! بس العيب مش عليكِ ولا عليها.. العيب على اللي طالع من صلبي ونسي إن أمي هي اللي شالته وشقت عليه!”
طلعنا شقتنا القديمة، فتحت الباب والشقة كانت ضلمة وترابها مغطي العفش.. الشقة اللي هجرتها عشان أروح أربط بيت ابني وأحافظ على قرشه. قعدت على الصالون وحطيت إيدي على خدي، والصمت مالك المكان، بس جوة دماغي العواصف مش راضية تهدأ.
تليفوني رن في إيدي.. بصيت لقيت اسم إبراهيم بينور على الشاشة. قلبي اتنفض، ونادين وقفت تبص لي ومستنية هرد ولا لأ. سبت التليفون يرن ويرن لحد ما سكت، وبعدها بعت لي رسالة صوتية.. فتحتها وصوته طلع مليان وجع وأسف بس معاه حزم:
ـ “يا أمي.. أنتِ جزمكم فوق رأسي، وحقك عليّ لو حاسة إن كرامتك اتجرحت. بس أنا لو ما عملتش كده، كنت هخسر بيتي ومراتي للابد، وشيماء أمانة في رقبتي ربنا هيحاسبني عليها. ارتاحي في شقتك، ومصروفك انتى واختى وأخويا هيوصلكم لحد عندكم مضاعف كل شهر، بس بلاش تخربي بيتي في غيابي.. ربنا يهديكِ يا أمي ويشفيلك قلبك من ناحيتي.”
رميت التليفون على الكنبة ودمعة سخنة نزلت على خدي.. العروسة طلعت هي اللي ماسكة الخيط كله ورابطة إبراهيم، وأنا اللي خرجت من المولد بلا حمص! مسحت دموعي بسرعة أول ما سمعت صوت خطوات نادين، أصل الكبرياء اللي اتعودت أعيش بيه عمري كله ما يخلينيش أبان مكسورة قدام عيالي. وقفت في نص الصالة، وشديت طرحتي على رأسي وقمت أنفض التراب بصوت جهوري وزعيق أخبي بيه الخيبة اللي جوايا:
ـ “أنتِ حتقعدي تتفرجي عليا يا نادين؟! شغلي الفيشة وشيلي الفرش ده نغسله، ولا فاكرة إن الدنيا وقفت على شقة أخوكِ وسنية الهانم مراته؟! البيت ده بيتنا ومطرحنا وعزنا، وما يلزمناش عز حد!”