فتحت التسجيل… وأول صوت سمعته كان صوت رنا. لكن أول جملة قالتها خلت الدم يتجمد في عروقي: "قولي لأمك تبعد عني ومتحطش راسها براسي.. ياسين ده في جيبي الصغير، كلمة توديه وكلمة تجيبه.. بس لو فضلتوا تضايقوني، التوكيل اللي عاملهولي هبيع بيه كل حاجة مكتوبة باسمه، وهرميكم في الشارع كلكم!" فضلت باصص لشاشة الموبايل ومبرق. الصوت صوت رنا. بقلم مـنال عـلي نفس النبرة، نفس طريقة الكلام.. بس النَفَس كان غريب، مليان قسوة وعمري ما شفتها بتنطق بالطريقة دي. أمي سحبت الموبايل من إيدي بالراحة، وعينيها كانت مدمعة: "عرفت بقى ليه إخواتك قالبين الدنيا؟ أختك لما سمعت منها الكلام ده، راحت تتخانق معاها وتقولها إنتي حرباية، راحت رنا هاجمة عليها.. ولما دخلت أحوش بينهم، رمت عليا الشبشب وشتمتني بأفظع الألفاظ عشان تداري على مصيبتها وتعمل نفسها هي المظلومة قدامك!" كنت حاسس إن دماغي بتلف. قلبي كان بيدق بسرعة لدرجة حسيت إنه هيقف. ياسين في جيبها الصغير؟ رنا اللي كانت بتبكي قدامي من ساعة وبتقولي "أنا همشي عشان متخسرش أهلك"؟! قولت لأمي بصوت مبحوح: "التسجيل ده.. مين اللي سجله؟" أمي ردت بسرعة: "أختك.. كانت حاسة إن مراتك مش مظبوطة وسجلت المكالمة اللي دارت بينهم قبل المشكلة بيوم.. ها، لسه شايف إننا ظالمينها؟" قومت وقفت على حيلي. مكنتش شايف قدامي. كل ذكرياتي مع رنا في التلات سنين اللي فاتوا بدأت تتشوش. هل كانت بتمثل كل الوقت ده؟ هل الحب والحنية والاهتمام كانوا مجرد غطاء عشان تاخد توكيل وتاكل حقي؟ نزلت من عند أمي، وركبت عربيتي. الطريق من بيت أمي لبيتي مكنش بياخد أكتر من ربع ساعة، بس في اليوم ده حسيت إني سايق في نفق ملوش آخر. فتحت باب الشقة بهدوء مريب. البيت كان ضلمة، مفيش غير نور خفيف طالع من أوضة النوم. دخلت الأوضة. لقيت رنا قاعدة على السرير، بس المرة دي مكنتش بتعيط. كانت ماسكة شنطة سفر كبيرة على الأرض، وبترص فيها هدومها. أول ما شافتني، بصتلي بهدوء غريب وقالت: "أنا جهزت حاجتي يا ياسين.. عشان ترتاح وتصالح أهلك." ضحكت بسخرية، ضحكة وجع: "تجهزي حاجتك؟ ولا كنتي ناوية تجهزي أوراق الشقة والعربية بالتوكيل اللي عملتهولك؟" رنا اتجمدت مكانها. رفعت راسها وبصتلي بصدمة: "توكيل إيه؟ إنت بتقول إيه؟" طلعت موبايلي وشغلت التسجيل اللي بعتتهولي أمي على الواتساب. صوتها ملا الأوضة: "ياسين ده في جيبي الصغير.. لو فضلتوا تضايقوني هبيع كل حاجة وهرميكم في الشارع!" كنت مستني أشوفها بتنهار، بتعتذر، أو بتترجاني أسامحها. لكن رد فعلها شلّ حركتي تماماً. رنا مدمعتش.. رنا بصت للموبايل، وفجأة وشها اتقلب وابتسمت بمرارة مرعبة، وقالت بصوت واطي يرعب: "أمك سمعتك التسجيل ده؟" زعقت فيها: "إنتي لسه هتبردي أعصابك؟! ده صوتك ولا لأ؟! بتخططي لخراب بيتي وبتستغفليني بقالك تلات سنين؟!" قربت مني بخطوات بطيئة، وبصت في عيني مباشرة وقالت: "أيوه، ده صوتي." الكلمة نزلت عليا زي السكينة. لسه كنت هرفع إيدي وأصرخ فيها، كملت كلامها وهي بتطلع ظرف مقفول من تحت المرتبة ورمته في وشي: "بس أمك مقالتلكش التسجيل ده اتقال لمين؟ ومقالتلكش مين اللي كان بيبتزني بيه؟ ومقالتلكش إن أخوك الكبير هو اللي رتب الخناقة دي كلها عشان يداري على المصيبة اللي عملها؟!" فتحت الظرف وإيدي بتترعش. حصري علي روايات واقتباسات لقيت صور، وورق حسابات بنكية، وإيصالات أمانة بملايين. بصيت للورق ومش مستوعب. الورق عليه إمضاء أخويا الكبير.. وإمضاء راجل غريب معرفوش. رنا قالت بصوت بيترجف من الغيظ: "أخوك الكبير مديون لطوب الأرض يا ياسين.. وخطيب أختك الصغير طلع هو التاجر اللي أخوك ماضي له شيكات بدون رصيد! والاتفاق كان إنهم ياخدوا شقتك وعربيتك تمن سكوت الراجل ده وميدخلش أخوك السجن.. ولما أنا عرفت بالصدفة من أسبوع وواجهت أختك وقولتلها هفضحكم وأقول لياسين وأرميكم في الشارع، سجلتلي واقتطعت الكلام من سياقه عشان يطلعني أنا المجرمة!" صرخت فيها: بقلم مـنال عـلي "إنتي كدابة! إنتي بتلفقي تهم لأهلي عشان تطلعي نفسك بريئة بعد ما اتكشفتي!" رنا بصتلي وقالت: "كدابة؟ طب انزل بص تحت العمارة دلوقتي.. شوف مين اللي واقف مستني أخوك ينزل له بالفلوس، وإنت تعرف مين الكداب ومين اللي باعك!" جريت على البلكونة، بصيت لتحت في الشارع الضلمة. لقيت عربية جيب سودة واقفة قدام مدخل العمارة، نازل منها تلات رجالة شكلهم ميريحش، وواقف معاهم… أخويا الكبير! وكان ماسك في إيده نسخة من مفاتيح شقتي أنا ورنا! وقبل ما ألحق أستوعب المشهد، سمعت رزع عنيف ومرعب على باب الشقة، وصوت أخويا من ورا الباب بيزعق وهو مرعوب: "ياسين! افتح بسرعة.. الجماعة عايزين حقهم وإنت الوحيد اللي هتدفع، افتح قبل ما يكسروا الباب ويقتـ..لونا كلنا!!" #حكايات_منــال_عـلـي (يتبع...)