بيت عيلة 2

خرج محمود من بيت أبويا وهو ماسك إيدي بإيد وإيد مريم بالتانية، خطواته على الألتفالت كانت تقيلة ومرعبة زي ضربات الطبل، وش وشّه ناشف والشرار بيطلع من عيونه. أنا كنت ماشية جنبه خايفة ومتوترة، جسمي كله بيترعش من التفكير في اللي هيحصل لما نوصل هناك، لكن نظرة العزم اللي في عين محمود كانت محسساني إن في جبل ضهر ليا لأول مرة من سنين.
وصلنا الشارع بتاع بيت العيلة، الشارع كان هادي والعصر بيدّن. أول ما دخلنا حارة الحاج جاد، الناس والبياعين اللي قاعدين على المصاطب بدأوا يتهامسوا ويشاوروا علينا: “ده محمود رجع من السفر!”.. “ستر يا رب، الليلة مش معدية على خير!”. محمود ما بصش لحد، ولا رد على سلام أي حد من الجيران، مسك باب البيت الكبير المصفح ودفعه برجله بكل قوته، الباب اتخبط في الحيطة وصوته رن في البيت كله زي الفرقعة.
صوت الخبطة هز الدور الأرضي، وحماتي الحاجة أم فاروق طلعت تجري من المطبخ وهي ماسكة الفوطة في إيدها وبتقول بفزع: “مين الجاهل اللي بيكسر الباب ده؟!”.. بس أول ما شافت محمود واقف في صالة البيت، وجنبه أنا ومريم، سكتت لحظة ووشها اتخلف ألوان.
محمود وقف في نص الصالة، وشاور على مريم اللي كانت خايفة واستخبّت ورا رجله، وقال بصوت هز السقف والحيطان: “فاروووووق! انزل يا فاروق! انزل يا راجل يا صاحب البيت يا اللي بتطرد الحريم في نصاص الليالي!”
الصوت جاب عبير من الشقة اللي فوق، طلعت تبص من على السور وهي الفافة رقبتها ورأسها بشاش وطرحة، وجسمها مليان لصقات وزرقان من العض والخربشة. لما شافت محمود واقف، صرخت ونادت على جوزها: “الحق يا فاروق! أخوك جه من السفر وجايب الحرباية معاه وبيزعق في البيت!”
نزل فاروق على السلم بسرعة، طالع في الفانلة البيضا والبنطلون، وشّه محمر وعروق رقبته زارقة من الغضب. وقف على آخر درجة في السلم، وبص لمحمود وقال بصلابة وزعيق: “حمد الله على السلامة يا ابن أبوي! كويس إنك جيت عشان تشوف الهانم مرتك عملت إيه في مراتي! شوف جسم مراتي المتقطع وعضها اللي نازل دم! مرتك اتجننت وأكلت حريم البيت في غيابك، وأنا عملت لها محضر وبكرة النيابة هتجيبها من رقبتها!”
محمود ما اتحركش من مكانه، ولا رمش له جفن. بص لفاروق بنظرة سردة وتريقة وقال: “تعمل لها محضر؟ وتطرد مرتي وبنتي في نص الليل عشان مرتك المتربية اتجرأت ومدت إيدها على طفلة عندها أربع سنين؟!”
حماتي قربت من محمود وبدأت تلطم على صدرها وتصوت: “جرى إيه يا محمود؟! جاي من السفر تهاجم أخوك وأمك عشان خاطر حتة عيلة غريبة؟! دي مرتك عضت عبير في كل حته في جسمها، طلعت شعرها في إيدها وكشفت سترها على السطح! دي مجنونة ومتربتش، ومكانها المشافي مش بيت المحترمين!”
محمود التفت لأمه، ونظرة الحزن والكسرة في عينيه كانت أقوى من الغضب، وقالها بصوت واطي بس يرعب: “أنا الساعي اللي بشقى في الغربة تسع شهور في السنة عشان أبعت لكم الفلوس تبنوا وتكبروا البيت وتربوا العيال.. وفي الآخر، مرتي تضرب قدامك، وبنتي رأسها تتفتح ودمها يسيل على الأرض، وتقولي لي ‘أحسن وتستاهل وتتخمد’؟! دي الأصول يا حاجة أم فاروق؟ ده العدل اللي اتعلمتيه من الحاج جاد الله يرحمه؟”
فاروق اتنطط ونزل من على السلم وقرب من محمود وهو بيطوح بإيديه: “ما تدُخلش أمك في الموال ده! مرتك هي اللي اعتدت، والبيت ده بيت العيلة، وأنا الراجل الكبير فيه بغيابك، والكلمة كلمتي! مرتك دي ملهاش بيات هنا تاني، والنيابة هي اللي هتحكم بيننا!”
محمود مسك فاروق من زقمه وفانلته في ثانية حركة سريعة أربكت الكل، وزقه لورا بقوة خلته يتخبط في حيطة الصالة. عبير صرخت من فوق: “يا لهوي! هيقتل جوزي!” وحماتي بدأت تصوت وتستغيث بالجيران.
محمود رفع إصبعه في وش فاروق وقال بصوت بيطلع زي الهسيس من بين سنانه: “البيت ده أنا صاحب نصيبه الأكبر بفلوسي وشقايا في الغربة! والشقة اللي فوق دي شقتي وشقة بنتي، واليوم اللي يفكر فيه راجل فيكم يمد إيده أو يرفع صوته على فاطمة ومريم، هكون شارب من دمه قبل ما الشمس تطلع! والمحضر اللي عملته يا فاروق بلّه واشرب ميته، لأننا عملنا تقرير طبي للبنت المضروبة في الطب الشرعي، ولو القضية مشيت، مرتك هي اللي هتتسحل في المحاكم بتهمة تعريض حياة طفلة للخطر والاعتداء المباشر!”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *