خرج محمود من بيت أبويا وهو ماسك إيدي بإيد وإيد مريم بالتانية، خطواته على الألتفالت كانت تقيلة ومرعبة زي ضربات الطبل، وش وشّه ناشف والشرار بيطلع من عيونه. أنا كنت ماشية جنبه خايفة ومتوترة، جسمي كله بيترعش من التفكير في اللي هيحصل لما نوصل هناك، لكن نظرة العزم اللي في عين محمود كانت محسساني إن في جبل ضهر ليا لأول مرة من سنين. وصلنا الشارع بتاع بيت العيلة، الشارع كان هادي والعصر بيدّن. أول ما دخلنا حارة الحاج جاد، الناس والبياعين اللي قاعدين على المصاطب بدأوا يتهامسوا ويشاوروا علينا: “ده محمود رجع من السفر!”.. “ستر يا رب، الليلة مش معدية على خير!”. محمود ما بصش لحد، ولا رد على سلام أي حد من الجيران، مسك باب البيت الكبير المصفح ودفعه برجله بكل قوته، الباب اتخبط في الحيطة وصوته رن في البيت كله زي الفرقعة. صوت الخبطة هز الدور الأرضي، وحماتي الحاجة أم فاروق طلعت تجري من المطبخ وهي ماسكة الفوطة في إيدها وبتقول بفزع: “مين الجاهل اللي بيكسر الباب ده؟!”.. بس أول ما شافت محمود واقف في صالة البيت، وجنبه أنا ومريم، سكتت لحظة ووشها اتخلف ألوان. محمود وقف في نص الصالة، وشاور على مريم اللي كانت خايفة واستخبّت ورا رجله، وقال بصوت هز السقف والحيطان: “فاروووووق! انزل يا فاروق! انزل يا راجل يا صاحب البيت يا اللي بتطرد الحريم في نصاص الليالي!” الصوت جاب عبير من الشقة اللي فوق، طلعت تبص من على السور وهي الفافة رقبتها ورأسها بشاش وطرحة، وجسمها مليان لصقات وزرقان من العض والخربشة. لما شافت محمود واقف، صرخت ونادت على جوزها: “الحق يا فاروق! أخوك جه من السفر وجايب الحرباية معاه وبيزعق في البيت!” نزل فاروق على السلم بسرعة، طالع في الفانلة البيضا والبنطلون، وشّه محمر وعروق رقبته زارقة من الغضب. وقف على آخر درجة في السلم، وبص لمحمود وقال بصلابة وزعيق: “حمد الله على السلامة يا ابن أبوي! كويس إنك جيت عشان تشوف الهانم مرتك عملت إيه في مراتي! شوف جسم مراتي المتقطع وعضها اللي نازل دم! مرتك اتجننت وأكلت حريم البيت في غيابك، وأنا عملت لها محضر وبكرة النيابة هتجيبها من رقبتها!” محمود ما اتحركش من مكانه، ولا رمش له جفن. بص لفاروق بنظرة سردة وتريقة وقال: “تعمل لها محضر؟ وتطرد مرتي وبنتي في نص الليل عشان مرتك المتربية اتجرأت ومدت إيدها على طفلة عندها أربع سنين؟!” حماتي قربت من محمود وبدأت تلطم على صدرها وتصوت: “جرى إيه يا محمود؟! جاي من السفر تهاجم أخوك وأمك عشان خاطر حتة عيلة غريبة؟! دي مرتك عضت عبير في كل حته في جسمها، طلعت شعرها في إيدها وكشفت سترها على السطح! دي مجنونة ومتربتش، ومكانها المشافي مش بيت المحترمين!” محمود التفت لأمه، ونظرة الحزن والكسرة في عينيه كانت أقوى من الغضب، وقالها بصوت واطي بس يرعب: “أنا الساعي اللي بشقى في الغربة تسع شهور في السنة عشان أبعت لكم الفلوس تبنوا وتكبروا البيت وتربوا العيال.. وفي الآخر، مرتي تضرب قدامك، وبنتي رأسها تتفتح ودمها يسيل على الأرض، وتقولي لي ‘أحسن وتستاهل وتتخمد’؟! دي الأصول يا حاجة أم فاروق؟ ده العدل اللي اتعلمتيه من الحاج جاد الله يرحمه؟” فاروق اتنطط ونزل من على السلم وقرب من محمود وهو بيطوح بإيديه: “ما تدُخلش أمك في الموال ده! مرتك هي اللي اعتدت، والبيت ده بيت العيلة، وأنا الراجل الكبير فيه بغيابك، والكلمة كلمتي! مرتك دي ملهاش بيات هنا تاني، والنيابة هي اللي هتحكم بيننا!” محمود مسك فاروق من زقمه وفانلته في ثانية حركة سريعة أربكت الكل، وزقه لورا بقوة خلته يتخبط في حيطة الصالة. عبير صرخت من فوق: “يا لهوي! هيقتل جوزي!” وحماتي بدأت تصوت وتستغيث بالجيران. محمود رفع إصبعه في وش فاروق وقال بصوت بيطلع زي الهسيس من بين سنانه: “البيت ده أنا صاحب نصيبه الأكبر بفلوسي وشقايا في الغربة! والشقة اللي فوق دي شقتي وشقة بنتي، واليوم اللي يفكر فيه راجل فيكم يمد إيده أو يرفع صوته على فاطمة ومريم، هكون شارب من دمه قبل ما الشمس تطلع! والمحضر اللي عملته يا فاروق بلّه واشرب ميته، لأننا عملنا تقرير طبي للبنت المضروبة في الطب الشرعي، ولو القضية مشيت، مرتك هي اللي هتتسحل في المحاكم بتهمة تعريض حياة طفلة للخطر والاعتداء المباشر!” محمود بص لعبير وقالها بمنتهى القسوة: “أنتِ حسابك معايا بعدين على كل نقطة دم نزلت من مناخير بنتي، وعلى كل لحظة خفت فيها فاطمة منك أنتِ وأمي! واليمين اللي حلفته يا فاروق بطلاق مرتك، لو كنت راجل نفذه واخرج بره، إنما بيتي أنا وأكلي وشقايا مش هيروح لحريم بتفترس الأطفال!” في اللحظة دي، الجيران بدأوا يدخلوا من باب البيت المفتوح بعد ما سمعوا الصوت العالي. دخل كبار المنطقة والشيخ عبد الجليل رجل الجامع الكبير، ومسكوا محمود وفاروق وبيحاولوا يهدوا اللعب: “استهدوا بالله يا جماعة! بيت الحاج جاد طول عمره بيت كرم وعز، ما يصحش الدم يوصل للركب بين الأخين عشان خاطر كلام حريم وخناق عيال!” الشيخ عبد الجليل بص لمحمود وقال: “يا محمود يا ابني أنت لسه راجع من سفرك وتعبان، افصلوا الشيطان واقعدوا نتكلم بالحق والشرع.” محمود مسك إيدي وإيد مريم، وبص للكبار وقال بصرامة وقاطعية: “يا شيخ عبد الجليل، الحَقّ مفيش أوضح منه. بيتي وشقتي حق شرعي لمرتي وبنتي، وما حدش له كلمة عليهن. ومن النهاردة، فاطمة مش هتنزل المطبخ الكبير، ولا هتعمل غدا مع حد، ولا لها دعوة بحد في البيت ده خالص! شقتها مستقلة بأكلها وشربها وخدمتها، واللي هيعترض طريقها أو يرمي كلمة على البنت، هعتبره خصمي ليوم الدين!” حماتي بصت للناس وهي بتعيط وتدعي العجز: “شوفوا بيطرد أمه من شقته وبيفرق بين الأخوات عشان خاطر مراته! يا خسارة تعبي فيك يا محمود!” محمود بص لأمه وقال كلمته الأخيرة قبل ما يطلع السلم: “أنا ما نسيتش تعبك يا أمي، وأنتِ على راسي في برك واحتياجك، لكن الظلم مش هقبل بيه حتى لو كان منك.. ابتك عبير تاخد بالها من أفعالها، لأن الصبر نفد.” أخدنا محمود وطلعنا على شقتنا فوق. فتح الباب، ودخلنا. الشقة كانت تراب ومكتومة من أسبوعين قفلة. محمود قعد على الكنبة وحط إيديه على وشّه ونهد نهدة طويلة طالعة من قاع قلبه، كأنه كان شايل هم العالم كله. مريم قربت منه وحطت إيدها الصغيرة على ركبته، رفّع رأسه وأخدها في حضنه وباس رأسها في مكان الورم القديم وقالها: “سامحيني يا مريم.. حقك عليا يا بنتي إن سبتك في وسطهم.” أنا قعدت جنبه، مسكت إيده وقلتله بصوت بيترعش: “محمود.. أنت خربت الدنيا مع أخوك وأمك عشاني وعشان البنت، أنا خايفة من اللي جاي.. فاروق مش يسكت، وعائلتهم شرها كبير.” محمود بصلي بعيون مليانة إصرار وقال: “اللي جاي هيكون تحت شروطي يا فاطمة. فاروق فاكر إنه مسيطر بالصوت العالي والمحاضر، بس هو نسي إن البيت ده والفلوس اللي شايلينها تحت بلاط الشقة دي كلها من عرقي. أنا مش هسيبك هنا تاني لوحدك، والتأشيرة اللي كنت بجهزها عشان أسافر بيها تاني.. هكنسلها، وهقعد هنا أفتح شغلي المستقل بنفسي، واللي يفكر يمسكم.. هيشوف محمود التاني اللي ما يعرفوهوش!” لكن تحت في الدور الأرضي، كانت عبير وحماتي وفاروق قاعدين في الضلمة، والشر بيطبخ في راسم. فاروق كان بيحلف ويقسم إنه مش هيعدي المحضر، وعبير كانت بتفكر في خطة جديدة عشان تنتقم من العض والجروح اللي في جسمها وتطردنا من البيت نهائيًا.. والحرب بين الشقق كانت يلا بتستعد لجولتها الثانية! عدت الليلة الأولى بالعافية، الشقة فوق كانت زي السجن الهادي، وصوت الصرصار في المنور كان هو الصوت الوحيد اللي بيقطع السكون والمرارة اللي في قلوبنا. محمود ما نامش طول الليل، كان قاعد على الكنبة في الصالة، يبص للأسقف ولأركان البيت اللي أفنى شبابه عشان يبنيه، ويدخن سجايره ورا بعض والرماد يتساقط على جلبابه. أنا ومريم كنا نايمين جواه في الأوضة، بس عيني ماغمضتش؛ كنت سامعة حركة خفيفة تحت في الصالة الأرضية، صوت تهامس وشوشة مش مريحة، وزي ما يكون فاروق وعبير وحماتي بيخططوا لمصيبة جديدة تحت ستر الليل. مع أول ضوء للشرق، لما الشمس بدأت تشق ظلام السطح، سمعنا صوت خبط ورزع جامد على باب الشارع البراني، وبعديها صراخ وعياط من حماتي بصوت جاب الحارة كلها. محمود قام من مكانه ببطء، وشّه كان مشدود زي الوتر، فتح الباب ونزل على السلم بثبات وورا خطواته الهادية كنت أنا طلّة من فوق السور ومسكة مريم في حضني. تحت في صالة الدور الأرضي، كانت العيلة كلها ملمومة، ومعاهم ثلاثة من كبارات البلد والشيخ عبد الجليل، ومعاهم العمدة بنفسه! عبير كانت قاعدة على الكنبة ملفوفة بملائة سودا، ووشها باين منه عين واحدة مقفولة والضمادات مغطية رقبتها، وعمالة تئن وتعيط بصوت واطي ومصنّع. أما فاروق، فكان واقف قدام العمدة وفي إيده ملف أوراق كامل، ووشه طافح شر ونصرة. العمدة بص لمحمود وهو نازل السلم وقال بصوت رزين ومهيب: “تعال يا محمود يا ابني، اقعد. البلد كلها مقلوبة بسبب اللي حصل في بيت الحاج جاد، وما يصحش اسم عيلتكم يتردد في المراكز والنيابات بالشكل ده.” محمود نزل، وقف في نص الصالة وما رضيش يقعد، وقال بثبات: “مرحبتين يا عمدة، البيت بيتك، والشيخ عبد الجليل والأجاويد على رأسي من فوق.. بس لو الجلسة دي عشان أتنازل عن حق بنتي اللي انضربت أو أسمح لحد يمس مرتي، يبقى قعدتكم مع احترام لكم مالهاش عازة.” فاروق اتنطط ورمى الأوراق على الطاولة الخشب اللي في النص وصرخ: “قعدة إيه وحق إيه يا ابن أبوي؟! شوف المحضر الجديد اللي اتعمل صباحي النهاردة! شوف التقرير الطبي المبدئي اللي طالع من المستشفى العام لمراتي عبير! إجهاض مبكر يا حضرة العمدة! مرتي كانت حامل في الشهر التاني، والهانم مراته لما نزلت فيها عض وخربشة وضرب على السطح، نزلت الجنين وغرقت في دمها!” الكلمة نزلت على الصالة زي الصاعقة! حماتي بدأت تلطم على وشها وتصرخ: “يا مري يا فضيحتي! قتلت ابن ابني! قتلت الضنى وهو لسه حتة لحمة في بطن أمه! الساحرة المفترسة قتالة القتلاء!” أنا فوق على السور ركبي خارت، ومسكت في الدربزين بذهول ورعب. إجهاض؟! عبير مكنتش حامل أصلاً! دي كانت بتطير زي السلعوة على السطح وبتغسل ستائر ثقيلة وتدب برجليها! ازاي بقت حامل وازاي أجهضت؟! محمود بص لفاروق وعبير بنظرة فيها استحقار وضحت الحقيقة قدامه في ثانية، وقال بصوت حاد كالسكين: “إجهاض؟ عبير اللي كانت بتشيل جردل المية السخنة وتبعه على السطح إمبارح كانت حامل؟ التقرير ده مدفوع ثمنه يا فاروق، وأنت عارف وأنا عارف دكتور المستشفى الخاص اللي بتتعامل معاه في البندر بيمشي إزاي بالقرشين!” فاروق قرب من محمود ورفع صدره: “التقرير ورقة رسمية ومختومة بختم النسر يا أستاذ! والتهمة دلوقتي مش مجرد ضرب وخناق حريم.. التهمة ضرب أدى إلى إجهاض وزهق روح! ضرب عقوبتها السجن المشدد، ومرتك هتبات في التخشيبة الليلة لو ما مشيتش بشرعنا وحدنا!” العمدة حط إيده على الطاولة وهدا الموضوع وقال: “صلوا على النبي يا جماعة.. يا محمود، المحضر ده لو مشي ووصل للنيابة العامة بالتقرير ده، فاطمة مرتك هتاخد لها كام سنة سجن فعلي، والبنت هتتربى بعيد عن أمها. وفاروق ومجلس العيلة عرضوا حل يلم الموضوع ويحفظ ماء وجه العيلة بدون محاكم وسجون.” محمود بص للعمدة بجمود وسأله: “وإيه هو الحل يا عمدة؟” حماتي وقفت وقالت بلؤم وشماتة: “الحل إن مرتك تتنازل عن البلاغ اللي عملته في البنت، وتتكتب تنازل رسمي عن حقها في الشقة اللي فوق، وتلم هدومها وتروح بيت أبوها وماترجعش هنا تاني إلا لما نحدد إحنا شرطنا! وتكتبوا إقرار بمبلغ مالي تعويض لعبير عن اللي حصل لها والإجهاض!” فاروق أخد الكلام من أمه وقال بمكر: “وأزيدك من الشعر بيت يا عمدة.. الشقة اللي فوق تتسجل باسمي أنا ومحمود مناصفة، لأن الفلوس اللي اتبنت بيها كانت بتتبعت للبيت كله مش لشخصه، ومحمود يكتب تعهد إنه يسافر تاني ومايقعدش في البلد يقلب المواجع!” الخطة كانت واضحة زي الشمس.. تلفيق تهمة الإجهاض الكاذبة عشان يكسروا عين محمود، وياخدوا الشقة، ويطردوني ويضمنوا إن محمود يفضل خدام ليهم في الغربة يبعت فلوس وهما يتنعموا بيها! الصمت خيم على الصالة لحظات. الكل كان مستني رد محمود، والشيخ عبد الجليل بص لمحمود وقال: “يا ابني اسمع كلام العمدة، حريمك في خطر والسجن مفيش فيه راحة.. تنازلوا عن الشقة وستروا الموضوع.” في اللحظة دي، محمود ضحك! ضحكة طويلة ومصرة هزت الصالة كلها، ضحكة واحد مابقاش عنده حاجة يخاف عليها. قرب من الطاولة، مسك أوراق المحضر والتقرير الطبي المزيف، وبص لفاروق ولحماتي وقال بمنتهى الثبات: “تبيعوا وتشتروا في مراتي وبنتي؟ وتزوروا تقرير طبي وتتبلوا على روح بريئة عشان تاخدوا شقة وتطردوني؟ بقى أنا محمود اللي شقيت عشر سنين في صحراء الخليج عشان أعمل لكم قيمة ورأس بين الناس، بقى ده جزائي؟” محمود مسك الأوراق ومزقها نصين ورمى الفتافيت في وش فاروق! فاروق اتخض وزعق: “أنت بتعمل إيه يا مجنون؟! دي صور رسمية!” محمود زعق بصوت يرعب الحجر: “أنا مش هتنازل عن قلام واحد! ومش هسيب شقتي ولا حق بنتي! والتقرير المزيف ده، أنا اللي هاخده للطب الشرعي المركزي في القاهرة، وهطلب إعادة كشف على الهانم عن طريق لجنة ثلاثية من وزارة الصحة! وهطلب تفريغ كاميرات الشارع وكاميرات سوبر ماركت أبو علي اللي كاشفة سطح البيت، عشان الناس تشوف عبير وهي بتشيل جردل المية السخنة وبتغسل الستائر قبل الخناقة بساعة واحدة بس!” عبير أول ما سمعت سيرة “كاميرات السوبر ماركت والطب الشرعي المركزي في القاهرة”، وشها اصفر وخاطرها راح، وبصت لفاروق بذعر ورعشة. محمود كمل كلامه وهو بيبص للعمدة ولكبار البلد: “يا عمدة، أنت حظرت الجلسة دي عشان تشهد على الحق، ولا عشان تشهد على زور وتساعدهم يسرقوا شقتي ويسجنوا مراتي؟ لو كان بالحق، أنا جاهز للقضاء والطب الشرعي.. ولو كان بالبلطجة والتلفيق، أنا من الليلة مش معترف ببيت العيلة ده خالص!” محمود التفت لفاروق وقرب منه حتى بقت المسافة بينهم سم واحد: “واليمين اللي أنت حلفته والتزوير اللي عملته ده.. هتدفع ثمنه غالي أوي يا أخويا. المحامي بتاعي نازل من القاهرة في السكة، وأنا مش هكتفي بالدفاع.. أنا هرفع عليكم قضية بلاغ كاذب وتزوير في أوراق رسمية وتهمة الرشوة للدكتور!” حماتي بدأت تصوت وتلطم: “يا خرابي! هيحبس أخوه ويدمر البيت!” محمود ما بصش وراه، مشي بخطوات واسعة وطلع السلم، مسك إيدي وإيد مريم، وقال بصلابة: “ادخلي لمي كل الأوراق الرسمية وقوشات الفلوس وعقود الأرض والشقة اللي في الخزنة يا فاطمة.. المعركة الحقيقية يلا بدأت، ومش هنطلع من البيت ده إلا وأنا كاسر عين كل واحد افترى علينا!” تحت في الصالة، بدأ الخناق يتولع بين فاروق وعبير والعمدة اللي أدرك إن القصة مصلوبة وتزويرها هيكشف البلد كلها، وزعق في فاروق: “أنت ورطتنا في مصيبة يا فاروق! محمود مش عيل صغير، وده لو وصل للطب الشرعي في القاهرة هينفخكم كلكم!” أنا مسكت إيد محمود فوق، والدموع في عيني وقلتله: “أنا خايفة يا محمود.. التزوير ده ممكن يلبسني تهمة.” محمود مسك وشي بإيديه وقال بعيون جمرة: “طول ما أنا حي وببتنفس، محدش هيمس شعرة منك ولا من مريم. هما فاكرين إني ضعيف عشان كنت ساكت، بس النهاردة هعرفهم مين هو محمود الحاج جاد!”