حماتي ولعت في البيت 2
طريق المعادي كانت منورة بالأنوار الصاخبة، والعربيات المركونة برة تملى الشارع. أهل العروسة ريهام كانوا ناس باين عليهم العز والمظاهر، واقفين في مدخل القاعة يستقبلوا المعازيم، وحماتي.. حماتي اللي كانت بتبخل عليا بجنيه أجيب بيه عيش حاف للعيال، كانت لابسة فستان سواريه دهبي فاقع، ومتحزمة بربطة ومحملة دراعاتها بالغوايش، وبتزغرط بصوت عالي يملى الدنيا وهي بترقص مع ابنها طارق اللي كان لابس بدلة عريس كأنها متفصلة على مقاس خيانته.
المعازيم كانوا ماليين الترابيزات، والمأذون كان قاعد على الترابيزة الرئيسية الكبيرة في صدر القاعة، وحواليه والد العروسة وطارق، وحماتي واقفة وراهم بتبتسم بغرور وفخر كأنها كسبت معركة عمرها.
المأذون فتح الدفتر الكبير، وبدأ يفرك إيديه ويقول في المايك بصوته الهادي بسم الله الرحمن الرحيم.. بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.. قبل ما نبدأ في كتابة العقد، يا عريس، هل فيه أي موانع شرعية أو التزامات سابقة غير مذكورة؟
طارق مسك القلم وابتسامته واصلة لودانه، ورد بمنتهى التبجح في المايك لا يا مولانا.. مفيش أي مانع، وأنا مطلق وورقتي خالصة ومعنديش أي متعلقات مع حد.
حماتي زغرطت من وراه، وأم العروسة سقفّت بفرحة.
وفي اللحظة دي بالظات.. ومن غير أي مقدمات.. الباب الرئيسي
للقاعة اتفتح على مصراعيه برزعة هزت الحيطان!
الصوت كان عالي لدرجة إن المزيكا سكتت فجأة، وكل العيون اللي في القاعة لفت تبص على الباب.
دخلت أنا.
مكنتش لابسة هدوم متبهدلة ولا شكلي زي الست المقهورة اللي اتطردت من أسبوع ودموعها على خدها. كنت لابسة عباية سودا شيك وطرحة مظبوطة، رافعة راسي لفوق، وماشية بخطوات بطيئة ورنانة، وفي إيدي اليمين دوسيه أحمر كبير، وفي إيدي الشمال ماسكة إيدين بنتي سارة وابني ياسين.
وورايا.. مكنتش لوحدي.
كان ورايا أستاذ ممدوح المحامي، ومعاه اتنين من أمناء الشرطة بالزي الرسمي، وواحد برتبة نقيب، ومعاهم إعلانات وقرارات نيابة مختومة بالنسر الأحمر!
السكوت خيم على القاعة كلها زي سكون المقابر. محدش كان قادر يرمش.
حماتي أول ما شافتني، وشها اتحول من اللون الوردي والفرحة للون رمادي كالح، وزغاريدها وقفت في زورها وشرقت. وطارق.. القلم وقع من إيده على الدفتر، ووقف مكانه زي اللوح الخشب، ركبه كانت بتخبط في بعضها وعيونه جحظت برعب حقيقي لما شاف الرتبة والشرطة اللي داخلين ورايا.
مشيت في الممر اللي في نص القاعة، وسط همسات وشهقات الناس مين دي؟ دي مراته؟ معاه عيال؟ في إيه؟ والبوليس جاي ليه؟
وقفت قدام ترابيزة المأذون مباشرة، على بعد متر واحد من طارق.
بصيت لطارق في عيونه ببرود تام،
وبعدين بصيت لوالد العروسة، اللي كان راجل كبير في السن باين عليه الوقار وبدأ يقف وهو مذهول وغضبان مين الست دي يا طارق؟ وفيه إيه بيحصل هنا؟ مين دول؟
طارق حاول يتكلم، بس صوته طلع مخنوق ومتقطع دي.. دي.. دي طليقتي يا عمي.. واحدة مجنونة وجاية تعمل شوشرة عشان تبتزني.. اخرجوا برة! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ أمن القاعة فين يرموا الزبالة دي برة!
ضحكت.. ضحكة هادية رنت في المايك اللي أستاذ ممدوح شده وقربه من عندي، وقولت بصوت قوي واثق هز كل أركان الصالة زبالة؟ الزبالة دي هي مراتك الشرعية اللي على ذمتك لحد الثانية دي يا طارق بيه! الزبالة دي هي اللي باعت دهبها ودهب أمها عشان تسفرك الخليج وتعمل منك بني آدم، وقعدت تخدم أمك وتكنس سلالمها وتاكل بواقي لقمتها سبع سنين، عشان تيجي النهاردة تقول للناس إنك مطلق وورقتك خالصة؟
والد العروسة اتنتر مكانه وبص لطارق بحدة الكلام ده بجد يا طارق؟ إنت مش قولتلي إنك مطلق بقالك سنة ومعندكش أطفال غير بنت وماتت؟!
سارة بنتي بصت لوالد العروسة وقالت بصوت طفولي نقي بريء وصل لكل الناس أنا مموتش يا عمو.. أنا عايشة أهو وبابا هو اللي سابنا ومبيصرفش علينا ومخلانيش أكل لما تيتا طردتنا عشان صلصة المكرونة!
القاعة كلها شهقت بصوت واحد، والناس بدأت تتكلم وتلوم يا نهار أسود.. ده
كداب.. ده غشاش وبيتبرا من عياله!.
حماتي حست بالأرض بتتسحب من تحت رجليها، فحبت تعمل طريقتها المعتادة في الصراخ والردح عشان تلم الموضوع، قربت مني وهي بتلوح بإيديها وعيونها طالعة لبرة إنتِ يا خطافة الرجالة يا سارقة، جاية تبوظي فرح ابني؟ ده انتي طالعة ناشز وهربانة من بيتك وسارقة دهبي وفلوس ابني، وهحبسك وأرميكي في التخشيبة!
الضابط اللي كان واقف ورايا قرب خطوة واحدة، وصوته كان كفيل يخرسها تمامًا الزمي حدودك يا ست إنتِ ومتعليش صوتك! إحنا هنا معانا أمر ضبط وإحضار للمدعو طارق إبراهيم، ومعانا قرار تمكين بالقوة الجبرية للمدام نورا وأولادها من الشقة والعقار بالكامل بناءً على حكم محكمة مستعجل ومحضر تزوير رسمي!
طارق صرخ برعب تزوير إيه؟ أنا مزورتش حاجة! إنتوا بتقولوا إيه؟
أستاذ ممدوح طلع الورق اللي في الدوسيه الأحمر وحطه قدام والد العروسة وقدام المأذون التزوير يا حضرة العريس هو عقد البيع المضروب اللي كنت مجهزه للشقة اللي هي أصلًا ملك للمدام نورا بموجب عقد بيع نهائي وخالص الثمن ومسجل بتاريخ قديم، والتوكيل المزور اللي كان المحامي بتاعك هيستخدمه عشان يسقط حقوقها. وفوق ده كله.. إخفاء وجود زوجة وأولاد والتدليس على عائلة محترمة زي عائلة الباشا والد العروسة بغرض النصب والاستيلاء على المهر!
في
اللحظة دي، طلعت تليفوني،
