فلوس مرات ابني 2

وبعد عذاب وساعات .. لقينا الحاجة!
بس يا ريتنا ما لقينا ولا شفنا ولا عرفنا إنها بتعمل بالفلوس دي أكبر كارثة من ورا ضهرنا، حاجة خلت عقلنا هيشت من اللي شوفناه !!!
كانت علبة صفيح قديمة، محطوطة في أبعد نقطة في قاع الدولاب، مستخبية ورا شوية مفرشات قديمة وملايات

ملهاش لازمة. لما محمد مسك العلبة، إيده كانت بترتعش، ووشه كان أصفر زي الليمونة. بصلي وقال بصوت مخنوق: “هي دي يا أمي.. العلبة دي أنا عمري ما شوفتها في الشقة قبل كده”.
قلبي دق بسرعة، ووقفت جنبه وأنا بقوله بحماس وغل: “افتح يا ابني! افتح شوف المتلتل اللي حايشتاه من ورانا وأنت طالع عينك ليل نهار وهي ولا هي هنا!”.
فتح محمد العلبة، وكنت فاكرة إني هشوف رزم فلوس.. عشرينات وميات وألوفات متستفة فوق بعضها. بس اللي لقيناه جوه العلبة خلانا نقف في مكاننا زي التماثيل، ريقنا نِشف، والدنيا دارت بينا.
ما كانش فيه فلوس كتير.. كل اللي كان موجود في العلبة شوية فواتير وروشتات، وأوراق طبية كتيرة جداً، ومعاهم أكياس علاج فافية فاضية، ودفتر تقارير معملية وأشعة. مسكت ورقة منهم وأنا أيدي بترتعش وبقوله: “إيه ده يا محمد؟ إيه الفواتير دي كلها؟ هي عزة بتشتري أدوية لمين بالمبالغ دي؟”.
محمد مسك التقارير الأسبوعية والشهرية، وبدأ يقرأ الكلام المكتوب بالإنجليزي، وفجأة لقيته بيقعد على طرف السرير، ورجليه مش شايلاه. عيونه كانت متسعة بذهول ورعب ما شوفتهمش في وشه قبل كده. مسك تقرير منهم، كان بتاريخ قريب، ومكتوب فيه بخط واضح جداً باللغة العربية في خانة التشخيص: “(ورم خبيث في المرحلة المتقدمة – جلسات علاج كيماوي وإشعاعي)”.
الورقة وقعت من إيده. بصلي بصوت طالع بالعافية، وصوته بيترعش من الصدمة: “عزة.. عزة يا أمي.. عزة عندها كانسر!”.
الكلمة نزل عليا زي الصاعقة. حسيت بدوخة، وركبي خارت تحت مني. “كانسر؟! عزة مراتك؟

مسكنا باقي الأوراق وبدأنا نفتح الفواتير ونقرأ التواريخ. اكتشفنا الكارثة الكاملة. عزة مريضة من أكتر من سنتين! كانت بتروح معاهد ومستشفيات خاصة تاخد الجلسات في الأيام اللي بتقول فيها إنها طالعة زيارات أو عندها شغل إضافي في المدرسة. كانت بتصرف كل جنيه بتقبضه من مرتبها، وكل القرشين اللي تحوشهم، على الجلسات، والأشعة، والأدوية اللي بتهد الحيل دي، ومصاريف الفحوصات الدورية اللي كل فاتورة فيها بالشيء الفلاني!
لقينا في العلبة ورقة صغيرة مكتوبة بخط إيدها.. كراسة مذكرات صغيرة، فتحناها وقرأنا أول صفحة فيها، كانت كاتبة:
(يا رب.. أنت عالم بحالي. أنا مش عايزة أعرف حد عشان ما أوجعش قلب محمد معايا، هو مش ناقص هم ومصاريف، وعيالي لسة صغار محتاجين كل جنيه. لو ليا عمر هخف عشانهم، ولو جه أجلي وتمت أمانتك، عايزة أموت من غير ما أكون حمل ثقيل على حد، ولا أخليهم يشوفوني وأنا بضعف وبنتهي قدامهم.. يا رب قويتي على وجع الكيماوي عشان أقدر أقف في شغلي وفي بيتي وما حدش يحس بيا).
الدموع نزلت من عين محمد زي المطر، وبدأ يصرخ بصوت مكتوم وهو بيخبط على صدره بحسرة: “أنا كنت فاكرها بخيلة يا أمي! كنت فاكرها بتتحسس على الجنيه وبتحرم عيالي! ده هي كانت بتموت في اليوم ألف مرة ولوحدها! كانت بتاخد الكيماوي وترجع تطبخ وتنظف وتسرح للعيال وهي جسمها بيتفحم من جوه!”.
أنا قعدت على الأرض مش قادرة أرفع راسي من الخجل والذنب. افتكرت كل كلمة جرحتها بيها، افتكرت لما كنت بقول عليها بجحة وبخيلة وعينها فارغة. افتكرت لما كنت بنتقد لبسها اللي بتبدله بالعافية، اتاريها ما كانتش بتشتري لبس ولا مكياج ولا حاجة، دي كانت بتحاول تداري شحوب وشها والكسرة اللي في عينها! افتكرت يوم

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *