اختي سابت بنتها
بس! ده يثبت بالدليل القاطع، علمياً وطبياً وجنائياً، إن الإصابات دي مكانتش عندي، وإن البنت بتتعذب في بيت أبوها وأمها وهما الاتنين متواطئين مع بعض وعارفين كويس أوي إيه اللي بيحصل!
مدام منى قفلت الدوسيه ببطء، ونظرتها ليا اتحولت من الشك والاتهام لحاجة تشبه الشفقة والتعاطف، بس مع حذر مهني شديد تاريخ الشرخ القديم ده يا أستاذة سلمى هيتحط في التقرير الطبي الشرعي اللي هيترفع للنيابة. وده طبعاً هيغير مجرى التحقيق تماماً وهيخلي الاتهام المباشر يروح للي عايشين مع الطفلة بصفة دايمة. لكن لحد ما النيابة تباشر التحقيق وتاخد أقوال الطب الشرعي، الطفلة فريدة ممنوع خروجها من المستشفى، وتحت الحراسة والتأمين الطبي، وممنوع لأي حد منكم سواء الوالدين أو حضرتك إنه ياخدها أو يتحرك بيها برا المستشفى.
قومت وقفت على حيلي، وجسمي كله بينتفض من القهر أنا عايزة أواجههم. عايزة أقف قدام أختي وأبص في عينها وأسألها إنتي إزاي كده؟ إزاي يجيلك قلب تشوفي بنتك بتتعذب وتسكتي، وفوق ده كله عايزة تدبسيني أنا وتلبسيني مصيبة جوزك المجرم عشان تداري عليه؟
مدام منى رفعت إيدها تهّديني بلاش مواجهات دلوقتي يا أستاذة، إحنا طلبنا قوة من نقطة الشرطة التابعة للمستشفى عشان تثبت الحالة وتعمل محضر رسمي، والظابط زمانه على وصول وهيسمعكم كلكم رسمياً في النقطة. الهدوء دلوقتي في مصلحة البنت وفي مصلحتك.
لكن الهدوء مكنش له أي مكان جوايا. البركان اللي انفجر في صدري مكنش ممكن يطفيه أي كلام عاقل. خرجت من الأوضة بخطوات سريعة وتايهة في نفس الوقت، ومردتش على نداء الممرضة اللي كانت بتجري ورايا تقولي استني. مشيت في الطرقة الطويلة المعقمة اللي ريحتها مطهرات وبنج، طرقة بتودي على صالة الانتظار الكبيرة عند باب الطوارئ.
ومن بعيد، لمحتهم.
مريم كانت قاعدة على كراسي الانتظار الحديد، موطية راسها بين إيديها وعمالة تعيط بنحيب مكتوم، وطارق واقف فوق راسها، وشه ميت مفيهوش نقطة دم، بس كان بيوطي عليها ويتكلم بصوت واطي فحيحه كان واصل لوداني مع صدى الطرقة الفاضية اثبتي يا مريم! لو فتحتي بقك بكلمة واحدة إحنا الاتنين هنروح في داهية! سلمى أختك، ومعندهاش عيال، والنيابة مش هتعملها حاجة هتقول إهمال وتطلع بكفالة، لكن أنا لو التقرير جه عليا دي جناية تعذيب وهقعد فيها مؤبد! اقفلي بقك واعملي اللي اتفقنا عليه وقولي الظابط إنها كلمتك بالتليفون واعترفتلك!
الدم غلى في عروقي لدرجة إني مكنتش شايفة قدامي غير غشاوة حمرة. كل سنين العمر اللي عيشتها مع مريم، كل المواقف اللي ضحيت بيها عشانها، كل مرة شيلت عنها همها ووقفت في ضهرها لما كانت بتتخانق مع أمي أو أبويا زمان… كل ده اتمسح واتداس عليه بجزمة طارق الوسخة اللي عايز يشتري حريته بحبسي وبدم بنته!
جريت عليهم والشرار بيطير من عيني، وقبل ما طارق ياخد باله أو يلف وشه، كنت قدامه.
يا واطيين! صرخت بالكلمة دي والطرقة كلها ردت صدى صوتي، وكل الناس اللي في الاستقبال ممرضين، ودكاترة، وأهالي العيانين اتسمروا في أماكنهم وبصوا علينا.
طارق اتراجع خطوة لورا وشه اتخطف وبقى لونه رمادي، ومريم رفعت راسها وهي مصدومة وعينيها مليانة رعب سلمى… اهدي يا سلمى متفضحيناش هنا، الناس بتبص علينا!
أفضحكم؟! قربت منها وأنا بصرخ والدموع مغرية وشي وعروق رقبتي بارزة، هو انتوا لسه عندكم حاجة تتفضح يا مجرمين؟! بقى أنا اللي ألبس الليلة عشان جوزك السيكوباتي ده ميروحش ورا الشمس؟ أنا اللي اتقال عليا رميت البنت من على الكنبة؟! ده أنتوا ربنا ينتقم منكم ويحرق قلوبكم زي ما حرقتوا قلبي على حتة اللحمة الحمرا اللي جوة دي!
طارق حاول يستعيد نبرة التهديد والغطرسة بتاعته، وخطى خطوة لقدامي وحاول يمد صباعه في وشي احترمي نفسك يا سلمى ولمي لسانك! إنتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ البنت كانت سليمة وزي الفل وإنتي اللي متعودة على الإهمال ودماغك مش فيكي، وعايزة ترمي بلاكي علينا عشان تطلعي منها زي الشعرة من العجين؟ إحنا اللي هنحبسك على اللي عملتيه في بنتنا!
ضحكت.. ضحكة هستيرية عالية خلت طارق يرتبك ويتردد، ضحكة خالية من أي خوف ومليانة باحتقار ملوش حدود تحبس مين يا حيلتها؟ الدكاترة جوة عملوا مسح كامل على العضم، طلعوا الشرخ القديم اللي في ضلوع البنت اللي بقاله تلات أسابيع! طلعوا التواء الكتف والكدمات القديمة اللي في جسمها كله! تلات أسابيع يا طارق! أنا كنت فين من تلات أسابيع؟ كنت في إسكندرية بشهادة الشركة اللي بشتغل فيها وتذاكر القطر وكاميرات المراقبة! البنت كانت بتتعذب في شقتكم المقفولة عليكم، وجايين النهاردة ترموهالي بعد ما كسرتم رجلها عشان تتدبس فيا؟ إنت هتتعفن في السجن يا طارق، هتتعفن في السجن ومحدش هينجدك!
مريم لما سمعت جملة الشرخ القديم اللي في الضلوع، وشها جاب ألوان الطيف كلها، ووقعت على الأرض من على الكرسي كأن ركبها ساحت ومبقتش شايلاها. بصت لطارق بنظرة رعب لا يمكن وصفها، وطارق عينه زاغت في كل الاتجاهات، وبدأ يتلفت حواليه في صالة المستشفى كأنه بيدور على مخرج طوارئ يهرب منه، زي الفار المحبوس في مصيدة ومستني السكينة تنزل عليه.
وفي اللحظة دي بالظبط، اتفتحت البوابة الزجاجية الكبيرة بتاعة الطوارئ، ودخل اتنين أمناء شرطة ومعاهم ظابط برتبة نقيب، ومعاهم مدام منى الإخصائية الاجتماعية بتشاورلهم علينا وهي بتقول هما دول يا فندم.. اللي واقفين هناك دول.
الظابط قرب بخطوات سريعة وثابتة، وصوته كان حاسم ومفيهوش أي تردد مين فيكم طارق عبد الرحمن، ومين مريم أحمد؟
طارق بلع ريقه وصوته طلع مبحوح ومخنوق أنا يا فندم… بس والله في سوء تفاهم كبير، والمدام أخت مراتي دي بتتبلى علينا وعايزة…
الظابط قاطعه بإشارة حازمة من إيده ومسكتش الكلام ده كله هيتقال قدام وكيل النيابة في المحضر الرسمي يا أستاذ. المستشفى بلغت رسمياً بواقعة جناية اعتداء على طفلة مع سبق الإصرار، وعندنا تقرير مبدئي بإصابات متفرقة وكسور قديمة وحديثة. اتفضلوا قدامي على النقطة من غير شوشرة ولا صوت عالي، والهانم دي كمان تتفضل معانا كشاهدة إثبات في المحضر.
الأمينين حاصروا طارق من الناحيتين، ومريم قامت بتتسند على الحيطة وهي منهارة تماماً وبتصرخ صراخ مكتوم وتستعطفني بعينيها سلمى عشان خاطر أمنا وأبونا استري عليا! طارق هيدمرني! طارق مكنش قاصد ده غضب شيطان، متضيعنيش يا سلمى!
بصيت في عينيها لأخر مرة، ومحستش بأي ذرة شفقة. اللي يدوس على بنته الرضيعة ويسيب لحمها يتهان ويتكسر عشان يرضي جوزه، ويبيع أخته اللي من لحمه ودمه ويزقها للسجن عشان ينجي نفسه، ده ملوش أهل، وملوش أخت، وميستاهلش حتى كلمة عتاب واحدة.
لفيت ضهري ومشيت قدامهم مع الظابط، وأنا مقررة إن مش هسكت، وإن كل كلمة وكل حقيقة هتتقال بحذافيرها في النيابة.
لكن وأنا ماشية في طريقي لباب الخروج ورا قوة الشرطة، تليفوني اللي في جيبي اهتز برسالة على الواتساب.
طلعت التليفون بإيد بترتعش، وفتحت الشاشة عشان أشوف مين باعتلي رسالة في التوقيت المجنون ده. كانت رسالة جاية من رقم غريب مش مسجل عندي، ولما فتحت المحادثة، لقيت صورة
مبعوتة متصورة بكاميرا موبايل سرية جوة شقة أختي مريم، صورة خلت رجلي تتسمر في البلاط وعيني تبرق في ذهول ملوش أخر…
الصورة كانت لكاميرا مراقبة صغيرة جداً مستخبية جوة لعبة دبدوب على رف الدولاب في أوضة نوم الأطفال عندهم، وتحتها سطر واحد مكتوب فيه متتكلميش في النيابة يا سلمى إلا لما تشوفي الفيديوهات اللي الكاميرا دي مسجلاها… طارق مش هو الوحيد اللي كان بيمد إيده على البنت، والسر اللي ورا الكسر ده أكبر من مجرد خناقة وعصبية بكتير!
