اختي سابت بنتها
باراسيتامول وهتنام، وإنتي ست العارفين بقى.
إنتي ست العارفين… الجملة دي مكانتش مجاملة، دي كانت كمين بيتقفل عليا بالضبة والمفتاح. كانت بتجهزني عشان أبقى أنا كبش الفدا. عشان لما الكارثة تفرقع، يتقال ما سلمى هي اللي خبيرة في الأطفال، وسلمناها البنت صاحية وبتضحك، وهي اللي قررت توديها المستشفى فجأة!
الباب اتفتح فجأة، ودخلت الإخصائية الاجتماعية ومعاها دكتور شاب ودكتورة الأطفال اللي كشفت على فريدة في الأول. الإخصائية ست أربعينية ملامحها صارمة، لابسة بدلة رمادي وشعرها مربوط لورا ومفيش على وشها أي تعبير تقدر تقراه. شايلة في إيدها دوسيه أزرق عريض، بصتلي بنظرة فاحصة كأنها بتمسحني ضوئياً من راسي لرجلي.
أستاذة سلمى؟ أيوة.. أنا سلمى، صوتي طلع مهزوز غصب عني، وحاولت أعدل قعدتي على الكرسي البلاستيك اللي جنب السرير.
سحبت كرسي وقعدت قدامي بالظبط، ركبها كانت شبه ملامسة لركبي، وفتحت الدوسيه وطلعت قلم جاف أزرق.
أنا مدام منى، مسؤولة مكتب الخدمة الاجتماعية وحماية الطفل هنا في المستشفى. إحنا سمعنا أقوال والدة فريدة وأستاذ طارق والدها، ودلوقتي محتاجة أسمع منك بالتفصيل الممل اللي حصل من أول لحظة دخلت فيها الطفلة بيتك لحد ما وصلتوا بوابة الطوارئ هنا. وخلي بالك يا أستاذة سلمى، الكلام اللي هيتقال هنا مش مجرد دردشة، ده بيتحط في تقرير رسمي بيتبعت للنيابة العامة مع إخطار المستشفى.
كلمة النيابة العامة نزلت عليا زي رعد في يوم صيف. النيابة؟ يعني الموضوع مش بس تحقيق دكاترة، الموضوع داخل في محضر رسمي، وسين وجيم، وتوجيه اتهام جنائي بإحداث عاهة أو إهمال جسيم في حق طفلة رضيعة.
بلعت ريقي اللي كان ناشف زي الحطب، وحاولت أجمع شتات نفسي. افتكرت همسة مريم الخبيثة قوليلهم إنك مخدتيش بالك من الكدمة إلا بعد ما مشينا بساعة. لو قولت الكلمة دي، لو طاوعتها ومشيت ورا السيناريو بتاعها، هكون بأمضي بإيدي على إقرار رسمي إني استلمت الطفلة سليمة معافية، وإنها اتصابت في بيتي وتحت عيني بعد ما هما مشيوا بفترة كافية إن أي محقق يقول البنت وقعت منك وانتي مش واخدة بالك، أو ضربتيها، أو هربتي الحقيقة!
بصيت لمدام منى في عينيها مباشرة، وقولت بصوت حاولت أخليه ثابت على قد ما أقدر يا فندم، أنا هقول لحضرتك الحقيقة من غير ما أزود ولا أنقص حرف واحد. فريدة وصلت بيتي الساعة تسعة إلا ربع الصبح. مريم أختي وجوزها سلموهالي على الباب. البنت مكنتش بتضحك ولا بتلعب، كانت دافنة وشها في كتف مريم وبتأنّ، مكنش عياط بصوت عالي، كان أنين مكتوم كأنها مهدودة الحيل. هما مشيوا، والباب اتقفل الساعة تسعة إلا تلت بالظبط. بعد عشرين دقيقة، يعني تسعة إلا خمسة، البنت فجأة بدأت تصرخ بطريقة هستيرية لما جيت أعدلها عشان أرضعها. شيلت السالوبيت عشان أغيرلها البامبرز، لقيت التورم والزرقة في فخدها الشمال من فوق، جنب الحفاضة بالظبط. مستنيتش ولا ثانية، ولا حتى كلمتهم في التليفون عشان مضيعش وقت، وشيلتها وجريت بيها على هنا، ووصلت المستشفى الساعة تسعة وتلت.
مدام منى كانت بتكتب كل كلمة بسرعة، من غير ما ترفع راسها. ولما خلصت جملتي، وقفت القلم فجأة على الورقة، ورفعت عينيها فيا ببرود بس أختك مريم وجوزها طارق أقوالهم مختلفة شوية يا أستاذة سلمى.
قلبي دق في صدري زي الطبلة مختلفة إزاي؟
مدام منى بصت في الورق اللي قدامها وقرت بنبرة محايدة تقطع الخلف والدة الطفلة ووالدها قرروا في استجوابهم المبدئي إن البنت كانت طبيعية جداً، مفهاش أي خدش، بترضع كويس وبتناغي، وإنهم سابوها معاكي وهي نايمة في هدوء تام. وقالوا إن عندهم تسجيلات كاميرات مراقبة من كافيه ومحلات في المول تثبت إنهم كانوا هناك طول الوقت من أول ما سابوها. وأختك تحديداً قالت إنها تلقت منك مكالمة تليفون بتقوليلها فيها إن البنت وقعت منك من على كنبة الأنتريه وانتي بتجيبي الببرونة، وإنك انتي اللي طلبتي تيجوا المستشفى.
الدنيا لفت بيا. الكرسي اتهز تحتي، والأوضة البيضا بكل ما فيها من أجهزة وشاشات بدأت تضيق وتطبق على صدري لحد ما حسيت إني مش قادرة اخد نفسي.
وقعت مني من على الكنبة؟! أنا كلمتها قولت كده؟!
كدب!، صرخت غصب عني، لدرجة إن فريدة اتنفضت في نومها فكتمت صوتي بإيدي بسرعة والدموع انحدرت من عيني زي الشلال، كدب والله العظيم كدب مفضوح! أنا مكلمتش مريم خالص من وقت ما مشيت! حضرتك شوفي سجل مكالمات تليفوني وتليفونها! المكالمة الوحيدة اللي تمت بيني وبينها كانت من ريسبشن المستشفى هنا، بعد ما الدكتورة قالتلي إن في كسر، وكلمتها وقولتلها تعالي بنتك مكسورة في الطوارئ! الكدابين! هما اللي عاملين فيها كده وجايين يلبسوني التهمة؟ دي أختي! دي أختي شقيقتي!
الدكتورة اللي كانت واقفة ساكتة جنب السرير قربت من مدام منى، ومالت عليها وهمست بكلام في ودنها، ومدام منى كانت بتهز راسها بتفهم وهي باصة في الورق.
الدكتورة لفت وبصتلي، وملامحها كانت أهدى شوية من مدام منى، بس كان فيها حزن عميق يا أستاذة سلمى، إحنا هنا دكاترة ويهمنا الطفلة أولاً وأخيراً. كسر عظمة الفخد في سن ست شهور ده مبيحصلش بوقعة عادية من على كنبة ارتفاعها نص متر على سجادة. عضم الأطفال في السن ده بيكون مرن نوعاً ما عشان لسه بيتكون، الكسر ده ناتج عن قوة عنيفة جداً.. التواء قوي ومباشر للرجل، كأن حد مسك رجل البنت ولوى عضمها بعنف وعزم عشان يسكتها أو يفرغ غضبه فيها، أو خبطة شديدة مباشرة بجسم صلب.
الكلام نزل عليا زي الرصاص. طارق.. عقلي صرخ بالاسم ده فوراً. طارق جوز أختي إنسان عصبي، وشه علطول مقلوب، وعنده نوبات غضب عمياء بشوفها بنفسي لما بيكونوا عندنا في البيت وبيتخانق مع مريم على أتفه الأسباب. مريم كانت بتداري عليه دايماً، وتبرر عصبيته بإنه مضغوط في شغله في شركة المقاولات اللي بيشتغل فيها، وبإنه خسر فلوس كتير في البورصة من فترة. بس توصل بيه إنه يمد إيده على حتة لحمة حمرا ملهاش حول ولا قوة ويكسر رجلها بالطريقة الوحشية دي؟
وفوق كل ده، الدكتورة كملت كلامها وهي بتفتح تابلت طبي كان في إيدها وبتعرضلي صور أشعة تانية، الأشعة المقطعية ومسح العظام اللي عملناه لبقية الجسم كشف حاجات تانية أسوأ يا أستاذة سلمى.
حاجات إيه؟ سألت بصوت مرعوب ودموعي مغرقة وشي.
في شرخ قديم في الضلع السادس من القفص الصدري، شرخ بيبدأ يلتئم، يعني بقاله حوالي أسبوعين أو تلاتة. وفي كمان كدمات متفرقة وأثر التواء قديم في مفصل الكتف اليمين. يعني الطفلة دي بتتعرض لنمط متكرر ومستمر من الاعتداء الجسدي العنيف والإيذاء المتعمد، مش مجرد حادثة عارضة حصلت النهاردة الصبح!
الكلمات دي مكنتش بس صدمة، دي كانت طوق النجاة القانوني ليا، وفي نفس الوقت كانت السكينة اللي ذبحت كل مشاعر الإنسانية والأخوة اللي كانت جوايا ناحية مريم.
شرخ بقاله أسبوعين؟! أنا مكنتش شوفت مريم ولا فريدة من تلات أسابيع كاملين عشان كنت مسافرة شغل في إسكندرية ولسه راجعة من كام يوم