جدتك

العربية تحركت بينا للمطار عشان يسجلوا المحضر الرسمي بخصوص خزنة لندن.. لكن وأحنا في الطريق، المحامي إبراهيم بصلي بنظرة غموض متأخرة، وطلع مفتاح صغير جداً من الفضة كان ملفوف بجوانتي أسود، وقال بصوت واطي جداً عشان بابا ما يسمعش:
“أستاذة نونة.. الوصية دي فيها صفحة أخيرة مكسورة الشمع ومكتوبة برقم سري.. وفيها تحذير مرعب من ستي فاطمة عن السر الحقيقي اللي جوه خزنة باركليز.. سر مش متعلق بالفلوس خالص، سر متعلق بسبب ستك الحقيقي!”

من عيوني! تفضل هذا المشهد السينمائي للحدث قبل الأخير من قصتنا، بحجم أطول، وتفاصيل أعمق، وأحداث مشوقة تمهد للنهاية المحتومة:
كان الليل ينقضي ببطء قاتل، والجدران الحجرية القديمة للقلعة المهجورة تعكس صدى الأنفاس المتسارعة. فوق قمة البرج الشمالي، حيث يلتقي ضباب الصباح المبكر مع بقايا الظلام، وقف “طارق” يحبس أنفاسه، يده ترتجف قليلاً وهي تقبض على الصندوق الفضي الصغير—الشيء الوحيد الذي خاض من أجله حرباً ضارية لأكثر من ثلاث سنوات.
على بعد بضع خطوات فقط، كان يقف “مراد”. لم تكن ملامحه تحمل أي نوع من التوتر، بل كانت تسكنها برود مخيف، واستقرار ينم عن ثقة مطلقة. كان ضوء القمر الضئيل يضيء نصف وجهه، بينما يختفي النصف الآخر في الظلال.
قال مراد بصوت هادئ كالسم، مسلطاً مسدسه بجمود نحو صدر طارق:

— “لقد قطعت كل هذه المسافة، ضحيت بكل أوراقك، وخسرت كل من كان حولك… كل هذا من أجل صندوق لا تعرف حتى كيف تفتحه يا طارق. ألا ترى عبثية الموقف؟”
تراجع طارق خطوة إلى الخلف، مبتعداً عن الحافة المسننة للبرج. كان الريح يصفير في الفضاء الفسيح خلفه، وحافة الهاوية تبتعد عنه بضعة سنتيمترات فقط. شعر بدمائه الساخنة تسيل من جرح قديم في جبهته، تتقاطر على عينيه لتعتم رؤيته، لكنه رفض أن يرمش.
— “العبثية الحقيقية يا مراد هي أن تعتقد أنني جئت إلى هنا لأساومك.” رد طارق بصوت متقطع، يغالبه الإجهاد، “أنا لم آتِ لأفتح الصندوق… أنا جئت لأتأكد من أنك لن تحصل عليه أبداً.”
سطعت ابتسامة باهتة ساخرة على شفتي مراد، وخطا خطوة بطيئة إلى الأمام، حذاؤه الجلدي يصدر صوتاً حاداً فوق الحصى المتناثر.
— “استسلم للأمر الواقع. المفتاح معي، والأمر انتهى. سلمني الصندوق وربما… أقول ربما، أتركك تسير بعيداً عن هذه القلعة حياً.”
في تلك اللحظة، عم الصمت للوهلة، صمت ثقيل سبقت العاصفة. تلاقت أعينهما؛ عينان تملؤهما الرغبة الانتقامية بالسيطرة، وعينان لم يعد لديهما ما تخسرانه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *