حماتي اخدت فلوس الجمعية
حماتي قالت إن فلوس الجمعية اللي حوشتها لازم تتدفع لعلاج بنتها، وجوزي قاللي دي أختي، وإنتِ تقدري تحوشي تاني. قلت له حاضر. وتاني يوم قدمت طلب واحد بس خلى أختُه نفسها تتصل بيا
الكلمة دي ماكنتش مجرد موافقة وخلاص، دي كانت الصدمة اللي شلت تفكيرهم وهم فاكرين إنهم كسروني.
لما حماتي قالت الجملة دي، كانت عينيها بتلمع بانتصار حاقد، نفس النظرة المريضة اللي بتحب تشوفني بيها مكسورة ومجردة من أي أمان مالي، عشان أفضل طول العمر تحت طوعها. وأما إسلام.. فكان عامل نفسه ناسي إن فلوس الجمعية دي ماكنتش شوية فكة زيادة معانا، دي كانت عرق سنتين كاملين من الشقا والتعب، ساعات شغل طافحة الكوتة بالليل، وحرمان كامل من أقل حقوقي، عشان بس أجمع المقدم اللي هبدأ بيه مشروعي الصغير وأقف على رجلي.
كانت حجتهم الفاشلة إن داليا عندها أزمة صحية مفاجئة ومحتاجة علاج بآلاف الجنيهات بشكل مستعجل. والغريبة إن الأزمة دي ما ظهرتش إلا بعد يومين بس من وقت ما عرفوا إني قبضت الجمعية! إسلام حتى ماهانش عليه يبص في عيني وهو بيرمي كلمته القاسية دي أختي، وإنتِ تقدري تحوشي تاني. كان بياخد شقايا يقدمه على طبق ذهب لأمه وأخته، وهو فاكر إن
كلمة حاضر اللي طلعت مني بهدوء هي إعلان استسلام.
ليلتها، إسلام حط راسه ونام نومة الأبرياء، وهو حاسس ببطولة مزيفة إنه أثبت رجولته قدام أهله على حسابي. أما أنا، فماغمضليش جفن. قعدت في الضلمة براجع المستندات اللي كنت شايلاها على جنب وسكتا عليها بقالي سنة كاملة.. أوراق وسجلات سرية ماكنش حد في العيلة دي كلها يتخيل إني أعرف عنها الهوا.
ومع أول خيط شمس في الصبح، وقبل ما إسلام يفتح عينيه، نزلت من البيت بقمة الثبات. ماكنتش رايحة البنك أفك الوديعة ولا أطلع الفلوس زي ما هما متوقعين، أنا اتجهت لمكان تاني خالص.. مكان مايخطرش على بالهم.
قدمت طلب واحد بس.. طلب رسمي وموثق، ومرفق معاه فلاشة معتمة، طلب هيغير مجرى حياتنا كلنا وهينبش في حاجة مدفونة بقالها سنين طويلة، حاجة تخص عيلتهم بالكامل.
بعد ساعتين بس، كنت قاعدة في كافيه هادي بشرب قهوتي بمنتهى الروقان، لحد ما التلفون بدأ يرن برقمها.
الاسم على الشاشة كان كفيل يرسم على وشي ابتسامة نصر باردة داليا.
فتحت الخط، وجالي صوتها المرعوب، النفس مقطوع، والنبرة اللي كانت دايماً متعالية بقت بتترعش من الخوف والنهدة
نهى!! إنتِ عملتي إيه؟! الحقيني يا نهى.. التلفون ده لو مالميتيش الموضوع فيه ورجعتِ في الطلب ده، أنا حياتي ه تتخرب وكلنا هنروح في داهية!! إنتِ فتحتي الملف ده ليه وباسم مين بالضبط؟!
أخدت بق قهوة، وحطيت الفنجان على الطاولة ببطء شديد، وقلت لها بنفس النبرة الباردة اللي أربكت أخوها إمبارح
قدمت الطلب اللي كان لازم يتقدم من زمان يا داليا.. الصندوق الأسود اتفتح خلاص، والطلب ده مش هيدمر مستقبلك إنتِ بس.. السر اللي دفنتوه من خمس سنين، الظرف بتاعه محطوط حالياً على مكتب أكبر رئيس نيابة، والساعة اللي جاية هتعرفوا كلكم أنا شفت إيه في الضلمة!
الصمت على الناحية التانية من الخط كان تقيل ومكتوم، يقطعه بس صوت نهتات داليا اللي كانت بتشهق من الخوف والنهدة، كأنها بتغرق ومفيش طوق نجاة قريب منها. النبرة اللي كانت دايماً بتتكلم بيها معايا باستعلاء، وكأنها سيدة القصر وأنا مجرد غريبة اتفرمت في ساقية شقاهم، اتمسحت تماماً وبقت نبرة ترجي وكسرة
نهى! أرجوكي يا نهى ما تعمليش كده! الفلوس مش عايزينها، والجمعية خديها كاملة وبزيادة من حسابي الخاص… هحولها لك فوراً على المحفظة أهو وأنتِ قاعدة! بس اسحبي البلاغ والطلب ده فوراً من النيابة، أنتِ مش فاهمة لو النيابة فتحت السجلات والمستندات دي إيه اللي هيحصل للبيت كله! دمار يا نهى… كلنا هنروح في داهية!
أخدت بق تاني من فنجان القهوة، ونداء الشارع الهادي مع فيروز كان بيدي للمشهد متعة وتلذذ غير عادي، حطيت الفنجان على الترابيزة ببطء شديد، وقلت لها بصوت ثابت وزي موس الحلاقة
لأ يا داليا… أنا فاهمة كويس أوي. فاهمة أكتر منك ومن أخوكي ومن أمك اللي كانت قاعدة تتشفى فيّ وإنتوا بتسلبوني تحويشة عمري وعرق سنتين كاملين من الشقا والتعب بالليل والنهار! فاهمة إن الأزمة الصحية المُفاجئة اللي ادعيتيها إمبارح، واللي خلت أمك تبكي دموع كدابة وتقول البت بتموت، ما كانتش غير الستار والغطا اللي محتاجة تدفعيه رشاوي طارئة عشان تقفلي بيه قضية التزوير والاختلاس اللي فتحتها الجمارك ضد شركتك الموهومة!
داليا صرخت بدموع ورعب يهز الكيان، وصوتها بدأ يترعش بانهيار حقيقي
نهى! إسلام أخوكي ميعرفش حاجة عن موضوع الجمارك ولا التزوير ده! إسلام طيب ومغفل ورايا، وكان بيوقع لي على التفويضات وأوراق الشركة بسلامة نية كأخ كبير بيساعد أخته! لو النيابة فتشت السجلات والحسابات المربوطة بالرقم القومي بتاعه… إسلام هيشيل القضية معايا ويترمي في السجن المشدد! إنتِ
لمحة نيوز