حفلة تخرجي2

سحبت شنطتي، وبصيت لأمي اللي كانت بتبكي بحرقة، ولأبويا اللي عينه ملهاش عين تبصلي، ولتامر اللي أدرك إن عصر الدلع والسيطرة بدون مجهود انتهى للأبد.

خرجت من المستشفى، والشمس كانت ساطعة ومالية الشارع. ركبت عربيتي، ورنيت على أبلة نادية وعلى عم محمد مسؤول المكتبة، وعزمتهم هما الاثنين على الغداء في أكبر مطعم في القاهرة عشان أفرّحهم بالمنحة وبعقدي الجديد.

وأنا قاعدة معاهم في المطعم وبنضحك، تليفوني رن برقم غريب.. رقم منسق المنح الدولية في مطار القاهرة، وبيبلغني إن الإجراءات اتسرعت وإن موعد سفري لإنجلترا اتحدد ليلة الجمعة الجاية.. بس المفاجأة الكبيرة كانت في الإيميل اللي وصلني بعدها بدقيقة من إدارة الجامعة في لندن!

فتحت الإيميل بفضول، وإيدي بتتحرك على شاشة الموبايل ببطء. الكلام كان بالإنجليزي، ومكتوب بأسلوب رسمي جداً من مكتب رئيس أبحاث التنمية والتعليم العالي بجامعة أكسفورد.

الإيميل مكنش مجرد تأكيد للقبول في الماجستير.. الإيميل كان بيبلغني إن كلمتي في حفل التخرج، بعد ما اترجمت للإنجليزية واستخدمت في تقرير عن “العزيمة والتعليم في الشرق الأوسط”، تم اختيارها لتكون الكلمة الافتتاحية للمؤتمر الدولي للشباب وصناع القرار في لندن، وإنني سأمثل شباب مصر والعالم العربي كمتحدثة رئيسية، وبحضور سفراء وشخصيات دولية رفيعة المستوى!

أبلة نادية وعم محمد كانوا باصين لوشي وهو بيتغير، والابتسامة بتترسم على وشي ببطء.

“فيه إيه يا إيمان يا بنتي؟ خير يا رب؟” عم محمد قالها وهو بيحط كوباية الشاي من إيده بقلق.

نزلت الموبايل وبصيتلهم والدموع بتلمع في عيني، بس المرة دي دموع فرحة وانتصار حقيقي: “سفري اتحدد ليلة الجمعة الجاية يا عم محمد.. ومش بس هدرس هناك، أنا هقف على منصة المؤتمر الدولي للشباب في لندن عشان أقول نفس الكلمة اللي قيل عنها إمبارح إني بفضح بيها أهلي، بس المرة دي قدام العالم كله.”

أبلة نادية مسكت إيدي وقبلتها وهي بتدعيلي بدموع، وعم محمد مسح عينه بطرف جلبابه وقال: “سبحان من يعز من يشاء.. اللي رموكي في القاع يا بنتي، ربنا خلى قاعك ده هو المنصة اللي بتطلعي منها للسحاب.”

في الأيام الخمسة اللي فاضلين قبل السفر، نقلت حاجتي البسيطة لشقتي الجديدة. مكنتش شقة كبيرة، بس كانت دافية، وكلها كتب وورق وشهادات. أهلي حاولوا يوصلولي بجميع الطرق. أمي كانت بتجيلي تحت العمارة وتستناني بالساعات ومعاها أكل عيش صاج وحلويات عاملة بيديها، بس كنت بكتفي بإني أبعتلها الأمن يستلموا منها الحاجة وأبعتلها رسالة قصيرة: “وصلت، شكراً.. والفلوس اتحولت لحساب بابا.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *