جوزي بيعايرني 2

**الجزء الثالث**

غاب الكبر والعنجهية من وش جوزي تمامًا، وأتحول الديك الفصيح لراجل مكسور العين، واقف وسط أهله وقرايبه مش عارف يداري خيبته فين. البوليس كان كلمة مرعبة بالنسبة له؛ لأن البلاغ معناه إن “كابتن المستقبل” هتبات في القسم، وفضيحة العيلة هتبقى على كل لسان في المنطقة، واليافطة العريضة اللي كان رافعها في السما هتتمرغ في التراب.

جوزي نزل على ركبه تقريبًا قدام أخوه وسلفتي، وبقى يمسك في إيد أخوه ويترجاه بصوت مبحوح والدموع محبوسة في عينيه: “عشان خاطري يا أبا زيد، عشان خاطر أمي الصحية اللي رايحة مني دي، بلاش بوليس! أنا هسدد لك ثمن الدهب ده مرتين، وهبوس على راس مرتك، بس بلاش فضايح ومراكز!”

سلفتي كانت واقفة وشها محمر من الغل، حاطة إيدها في وسطها وبترد عليه بمنتهى القسوة: “تسدد إيه يا عين أمك؟! هو الفلوس هترجعلي فرحتي بالسبوع اللي اتنكد عليا فيه؟! ولا هتمسح إن أختك الهانم كشفت سترنا ومدت إيدها في بيتي؟! الشرف مالوش ثمن يا حلمي!”

في الوقت ده، أخت جوزي كانت قاعدة في الأرض بين رجلين أمها، بتصرخ وتشهق وتشد في شعرها زي المجنونة: “أنا مظلومة! والله العظيم مظلومة! الشنطة دي كانت مرمية على السرير وكل الحريم كانت داخلة طالعة الأوضة! حد قصد يدمّرني! حد حط الدهب في شنطتي عشان يكسرني!”

مع الكلمة دي، عيون بعض الستات في القعدة بدأت تروح وتيجي.. كبار العيلة بدأوا يتهامسوا: “طب وهي البت هتعمل كده ليه؟ دي مش ناقصها حاجة! ما يمكن فعلاً حد لبّسها التهمة؟”

هنا أنا حسيت إن الكفة ممكن تتعدل، وإن اللعبة ممكن تتكشف لو التفكير هدى والناس بدأت تشغل عقولها. فقررت أتدخل فورًا، بس بذكاء وخبث ملوش مثيل.

قربت بخطوات بطيئة، وبملامح يكسوها الأسى والحزن المصنوع، وحطيت إيدي على كتف جوزي وقلت بصوت واطي ومسموع للكل: “معلش يا حلمي.. اهدي يا خويا.. مسير الحق يظهر.. ربنا كبير وما بيرضاش بالظلم، وأنا أكتر واحدة حاسة بيك وبالنار اللي في قلبك دلوقتي.. ما أنا جربت حرقة الدم دي لما كانوا بيقولوا على أخويا.. بس الفرق إن أخويا تاب وربنا هداه، لكن الصدمة لما تيجي من أقرب الناس وفي قلب البيت.. بتبقى طعنة في الضهر مابتتنسيش!”

الكلمة نزلت على نفوخ جوزي زي سيخ نار! افتكر كل مرة قال لي فيها “يا أخت الحرامي”، افتكر كل طعنة طعنها لي في كرامتي. رفع عينيه بص لي، وشفت فيهم كمية عجز وكسرة عمره ما حس بيها في حياته. كان عايز يصرخ فيا، بس ماقدرش، لأن كلامي كان ظاهره المواساة وباطنه سُمّ ينقط على جرحه المفتوح!

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *